توضيح مسألة قياس المصاب بسلس المذي على المستحاضة
[السُّؤَالُ]
ـ[فضيلة الشيخ لماذا قاس الفقهاء أحكام السلس على أحكام الاستحاضة، فهل قاس الصحابة سلس البول أو الريح على ما قال الرسول ﷺ للمستحاضة؟ أم أنهم عملوا بأن السلس من الأمور المسكوت عنها رحمة من الله وبالتالي السلس غير ناقض وهو أحد آراء الإمام مالك بأن السلس عموما غير ناقض ووافقه شيخ الإسلام ابن تيمية، الوحيد من الصحابة الذى سأل عن السلس كما عرفت هو علي بن أبى طالب عندما طلب من فاطمة أن تسأل الرسول ﷺ عن المذي قال ﷺ يغسل ذكره ويتوضأ ولم يقل لوقت كل صلاة أي لم يقس الرسول ﷺ أحكام المذي على الاستحاضة لماذا لا يكون الرأي الراجح أن السلس مسكوت عنه رحمة بالأمة وما يخرج طبيعيا هو فقط الناقض للطهارة؟ وجزاكم الله خيرا على الرد.]ـ
[الفَتْوَى]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فالذي أمره علي ﵁ أن يسأل رسول الله ﷺ عن المذي هو المقداد وليس فاطمة ﵂، ففي الصحيحين وغيرهما عن علي قال: كنت رجلا مذاء فأمرت رجلاً أن يسأل النبي ﷺ لمكان ابنته، فسأل فقال: توضأ واغسل ذكرك. وهذا الرجل هو المقداد كما صرحت بذلك بعض روايات الحديث.
ثم إن معنى الحديث المذكور هو الأمر بالوضوء وغسل الذكر من خروج المذي، وليس الغسل كما كان علي ﵁ يظن، ففي بعض روايات الحديث عنه ﵁ أنه قال: كنت رجلاً مذاء فجعلت أغتسل حتى تشقق ظهري، فذكرت ذلك للنبي ﷺ أو ذكر له، فقال رسول الله ﷺ: لا تفعل، إذا رأيت المذي.. إلى آخر الحديث.
وقد أوضح أهل العلم أنه إذا كثر خروج المذي بحيث يصل إلى حد السلس فإنه يصير مثل غيره من الأحداث، قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب التمهيد عند كلامه على حديث علي الآنف الذكر: هذا حديث مجتمع على صحته لا يختلف أهل العلم فيه ولا في القول به، والمذي عند جميعهم يوجب الوضوء ما لم يكن خارجاً عن علة أبردة وزمانة، فإن كان كذلك فهو أيضاً كالبول عند جميعهم، فإن كان سلساً لا ينقطع فحكمه كحكم سلس البول عند جميعهم أيضاً؛ إلا أن طائفة توجب الوضوء على من كانت هذه حاله لكل صلاة قياساً على الاستحاضة عندهم، وطائفة تستحبه ولا توجبه. انتهى.
ولا يلزم من كون الرجل مذاء أن يصل إلى حالة السلس، فالسلس هو الحدث الملازم الوقت كله أو أكثره أو نحو ذلك مما يشق معه إعطاء حكم الحدث الأصلي من الطهارة أو الوضوء أو نحوهما لهذا الحدث الملازم، فحالة علي ﵁ لم تصل إلى درجة السلس الذي تكلم فيه أهل العلم؛ إذ لو كانت كذلك لما اختلفوا في حكم السلس، لأن الحديث نص في مسألة علي، ولا يسوغ مع النص اختلاف، فالسلس إذاً شيء آخر، وإنما قاس الفقهاء صاحبه على المستحاضة لاتحادهما في نفس العلة والحكم، فكلاهما متصف بنجاسة متصلة خارجة من السبيلين لعلةٍ، والمستحاضة منصوص على حكمها، إذاً فلا فرق بينهما، وهذا ما يسمى بالقياس، وهو أصل من أصول الفقه معمول به في الكثير من المسائل المعللة عند العلماء من عهد الصحابة ﵃ إلى يومنا هذا، وما ألحق بأصل نص الشارع على حكمه لا يعتبر في حكم المسكوت عنه الذي لم نكلف بالبحث عن حكمه، لأنه في حكم المنصوص عليه عند من يرى القياس من أهل العلم وهم الجمهور.
والله أعلم.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى]
٠٩ شوال ١٤٢٧