البكاء على الميت.. المشروع منه والممنوع
[السُّؤَالُ]
ـ[توفيت والدتي عن عمر يناهز السابعة والسبعين، وقد حزنت لفراقها كثيرا، وكل ما أتذكرها لا أقدر أن أكف عن البكاء، فهل فعلا البكاء يؤذيها، وهل هو حرام، وكيف أبرها، وكيف أنفعها بعد وفاتها. وقد تمنيت حين ذهبت لها في قبرها أن أزيح التراب عنها لأراها وأقبلها، ولكني طبعا لم أفعل، فهل التمني حرام؟]ـ
[الفَتْوَى]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:
فإن البكاء بلا صوت جائز اتفاقاً، وقد فعله النبي ﷺ ووصفه بأنه رحمة، ففي الحديث المتفق عليه "أنه فاضت عيناه حينما رفع إليه ابن ابنته كأنه شن، فقال له سعد: يا رسول الله، ما هذا؟ فقال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء. " وكذلك الحال عند موت ابنه إبراهيم.
أما المحرم فهو النوح والندب أو البكاء المقرون بهما أو بأحدهما، كما في الحديث: " إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا أو يرحم، وأشار إلى لسانه. " متفق عليه قال النووي ﵀: (وأجمعوا كلهم على اختلاف مذاهبهم على أن المراد بالبكاء - أي البكاء الذي يعذب عليه - البكاء بصوت ونياحة، لا مجرد دمع العين.) انتهى
وقد رأى الجمهور أن الميت يعذب إذا أوصى أن يبكى عليه ويناح بعد موته، وذلك جمعاً بين الأحاديث التي رواها عمر وابنه عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " إن الميت يعذب ببكاء أهله. " متفق عليه.
وإنكار عائشة ﵂ أن يكون النبي ﷺ قال هذا محتجه بقول الله تعالى: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [لأنعام:١٦٤] ، وأن النبي ﷺ إنما مر على يهودية يبكي عليها أهلها فقال:" إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها. " قالت عائشة ﵂: (تعذب بكفرها لا بسبب البكاء.
وقد رأى الإمام البخاري أنه يعذب إذا كان ذلك من سنته، فقال: (باب قول النبي ﷺ: يعذب الميت ببعض بكاء أهله. إذا كان النوح من سنته.)
وننصح - الأخت السائلة - بالإقلاع عن البكاء، لا سيما إن كان ذلك كثيراً، وأن تدعو الله تعالى لأمها بالمغفرة، وتتصدق عنها بصدقة جارية إن استطاعت، ففي الحديث الذي أخرجه مسلم أن النبي ﷺ قال: " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له.
"وكذلك ما أخرجه الإمام أحمد أن رجلاً من الأنصار جاء إلى النبي ﷺ فقال:" هل بقي من بر أبوي شيء بعد موتهما؟ فقال: خصال أربعة: الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما، فهو الذي بقي عليك من برهما بعد موتهما.
"هذا هو ما ينفعها بعد موتها، أما إزاحة التراب عنها بعد دفنها فلا يجوز، سواء كان ذلك للتقبيل أو غيره، وذلك لما ثبت من النهي عن كل ما يؤذي كالقعود والوطء ونحوهما، روى جابر أن النبي ﷺ: " نهى أن يجصص القبر وأن يبنى عليه وأن يقعد عليه.
"أما مجرد التمني فلا مؤاخذة عليه إن شاء الله تعالى، ونرجو الله جل وعلا أن يأجرك في مصيبتك وأن يغفر لوالدينا ولجميع المسلمين.
والله أعلم.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى]
١٥ رمضان ١٤٢٣