سبب نهي النبي الجارية نسبة علم الغيب إليه
[السُّؤَالُ]
ـ[عن الرّبَيْعِ بِنْتِ مُعَوّذِ بنِ عَفْرَاءَ قالت: دخل علي النبي ﷺ غداة بني علي، فجلس على فراشي كمجلسك مني، وجويريات يضربن بالدف، يندبن من قتل من آبائهن يوم بدر، حتى قالت جارية: " وَفِينَا نَبِيّ يَعْلَمُ مَا في غَدٍ، فقال لها النبي ﷺ:" لا تقولي هذا وارجعي إلى ما كنتِ تقولين ". (البخاري)
قال أصحاب العذر بالجهل: فمع قولها ما هو كفر إلا أن النبي لم يكفرها وعذرها بجهلها.
هل قول الجارية كفر أم لا؟ وهل عذرها النبي ﷺ بجهلها ولم يكفرها؟
هل يوافق التعليق التالي عقيدة أهل السنة والجماعة أم لا، التعليق:
'إن هذه الجارية لم تنطق بما هو كفر مجرد، فكون النبي ﷺ، يعلم ما في غد فهذا حق بما يطلعه عليه سبحانه , قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً. إِلَّا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ (الجن:٢٦-٢٧) . وإنما كره النبي ﷺ أن تطلق الجارية علم النبي بالغيب. ومثل هذا الكلام ليس كفراً وشركاً يخرج من الملة والحمد لله على توفيقه.'؟
جزاكم الله خيرا]ـ
[الفَتْوَى]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فقد رجح ابن حجر في الفتح أن سبب نهيه الجارية عما تقول هو النهي عن الإطراء في المدح، ونسبة علم الغيب إلى الرسول ﷺ، واحتج برواية حماد: لا يعلم ما في غد إلا الله.
فقد أنكر عليها الإطراء لأنها أطلقت علم الغيب وهو صفة تختص بالله تعالى؛ كما قال تعالى: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ﴿النمل:٦٥﴾ وقوله لنبيه: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ ﴿الأعراف:١٨٨﴾ وسائر ما كان النبي ﷺ يخبر به من الغيوب بإعلام الله إياه، لا أنه يستقل بعلم ذلك؛ كما قال تعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ﴿الجن: ٢٦-٢٧﴾
وبناء على هذا يُعلم أن إطلاق علم النبي ﷺ للغيب ممنوع شرعا؛ لقوله تعالى مخاطبا للرسول ﷺ: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴿الأنعام: ٥٠﴾ ولقول عائشة ﵂: من زعم أنه يعلم ما في غد فقد أعظم الفرية على الله. رواه الترمذي وصححه الألباني.
وقد نقل صاحب عود المعبود عن عدة من أهل العلم القول بتكفير من يزعم أن النبي ﷺ يعلم الغيب مطلقا، فلا يبعد عذر الجارية بالجهل ولا يحتاج للتعليق المذكور، وقد سبق أن ذكرنا عدة فتاوى تبين قضية العذر بالجهل وعدم تكفير المعين؛ إلا إذا أقيمت الحجة عليه، فراجع منها الفتاوى التالية أرقامها مع إحالاتها: ١٩٠٨٤، ٣٠٢٨٤، ٩٨٣٥٣، ٦٠٨٢٤، ٧٥٦٧٣، وراجع في النهي عن الغلو في المدح الفتوى رقم: ٢٤١٥١.
والله أعلم.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى]
١٢ رمضان ١٤٢٨