التوسل ... المشروع منه والممنوع
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز الدعاء بجاه حق النبي ﷺ، وهل يجوز في الدعاء إدخال الرسول كواسطة لإجابة الدعاء.
٢) هل الولي تظهر له روح النبي صلىالله عليه وسلم ككرامة فتفتح بصيرته.
٣) كيف نفرق بين الولي والمدعي.
٤) ما حكم الدين في الاحتفال بمولد الرسول ﷺ واقامته في كل مناسبة، بحيث إذا أرادوا شكر الله أو الاحتفال بمناسبة معينة، كزواج أو سابع مولود، اقاموا المولد، وما هو الرد على القائل بأن المولد إنما هي لتذكير الناس بسيرة الرسول. أرجو الرد سريعاً، إذا أمكن.]ـ
[الفَتْوَى]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:
فالدعاء من أجلّ القرب وأعظم العبادات، بل هو العبادة كما قال ﷺ. والعبادة مبناها على التوقيف، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله ﷺ، لقوله: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" متفق عليه.
وقوله: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" رواه مسلم.
وقد أشار ﷺ إلى الأسباب المؤدية إلى قبول الدعاء كرفع اليدين، وإقبال القلب، وتكرار الدعاء، وتحري الأوقات الفاضلة كثلث الليل وبين الأذان والإقامة وغير ذلك، ولم ينقل عن نبينا ﷺ بسند صحيح أنه أرشد أمته إلى التوسل بجاهه أو حقه، مع القطع والجزم بأن جاهه ومنزلته عند ربه فوق منزلة جميع ولد آدم.
ولا نُقل عن أحد من أصحابه رضوان الله عليهم مع حرصهم على الخير ومسارعتهم إليه، وكثرة دعائهم وتضرعهم أنه قال في دعائه: اللهم إني أتوسل إليك بحق محمد ﷺ أو بجاهه، فعلم بهذا أنه ليس من أمر النبي ﷺ، ولا من أمر أصحابه، بل عدل الصحابة عن ذلك إلى التوسل بعمه العباس ﵁ كما روى البخاري في صحيحه أن عمر ﵁ قال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون. وهذا دليل على أنهم كانوا يتوسلون بدعاء النبي ﷺ في حياته، فلما توفاه الله توسلوا بالعباس ﵁، ولا يقال: إن هذا لضرورة فعل الصلاة ودعاء الاستسقاء، لأنا نقول: قد كان بالإمكان أن يصلي عمر أو غيره ثم يتوسل بالرسول ﷺ في دعائه، فلما لم يكن شيء من ذلك، دل على أن الخير في غيره، وأن الشرع على خلافه.
وهكذا توسل الأعمى برسول الله ﷺ إنما هو توسل بدعائه لا بذاته، لقوله ﷺ له: "إن شئت دعوت لك، وإن شئت صبرتَ فهو خير لك"، فقال: فادعه... الحديث رواه النسائي والترمذي وأحمد وهذا لفظ الترمذي.
وعند أحمد: "إن شئت أخرت ذلك فهو أفضل لآخرتك، وإن شئت دعوت لك" ولقول الأعمى في دعائه: اللهم فشفعه في، فعلم بذلك أن النبي ﷺ دعا له وشفع إلى الله فيه.
وأما حديث: "توسلوا إلى الله بجاهي، فإن جاهي عند الله عظيم" فهو حديث موضوع مكذوب على النبي ﷺ، ولا يصح أيضا ما جاء في توسل آدم عله السلام بحق محمد ﷺ.
والتوسل المشروع:
١- التوسل إلى الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، كأن يقول: اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق. أو اللهم إنا نسألك بأنك أنت الواحد الأحد.
٢- التوسل إلى الله بالعمل الصالح، كما في قصة أصحاب الغار، الذين آواهم المبيت إلى غار في جبل، فانحدرت صخرة فسدت عليهم الغار فتوسل كل واحد منهم إلى الله بعمل صالح عمله، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون، كما ثبت ذلك في الحديث الطويل المتفق عليه، وهذا ملخص معناه.
أما ظهور روح النبي ﷺ للولي، وجعل ذلك من الكرامات، فهذا لا أصل له في الشرع، وسادة الأولياء هم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والعشرة المبشرون وأهل بدر وأهل بيعة الرضوان، ولم ينقل عن واحد منهم حرف واحد في ظهور روح النبي ﷺ له، ولا اجتماعه به بعد وفاته، إلا أن تكون رؤيا منام، فهذا لا نزاع في إمكانه وحصوله لبعض الناس، كما قال النبي ﷺ: "من رآني في المنام فكأنما رآني في اليقظة"، وفي رواية: "فقد رأى الحق"، وفي أخرى: "فإن الشيطان لا يتمثل بي" الحديث رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
وما يعتقده بعض الجهال من حضور النبي ﷺ إلى اجتماعاتهم ومجالسهم، وقيامهم له، انحراف ظاهر، وأعظم منه دعوى بعضهم رؤية النبي ﷺ يقظة، فإن هذا خلاف الكتاب والسنة وإجماع الأمة، فإن الموتى إنما يخرجون من قبورهم يوم القيامة لا في الدنيا، كما قال تعالى: (ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون) [المؤمنون: ١٥، ١٦] .
وقال ابن حزم في مراتب الإجماع: واتفقوا أن محمداً ﵇ وجميع أصحابه لا يرجعون إلى الدنيا إلا حين يبعثون مع جميع الناس (أ. هـ.) .
ومن تأمل حال سادات الأولياء من أصحاب النبي ﷺ علم الفرق بين الولاية وبين الشعوذة والخرافة، ولو كان ثم أحد يمكن أن يجتمع بالنبي ﷺ ليرشده أو يفتح بصيرته ـ كما في السؤال ـ لكان أولى الناس بذلك أصحابه، لا سيما في أوقات الشدة والمحن، كاختلافهم في القبلة، وتنازعهم في خلافة عثمان ﵁، وبعد في خلافة علي.
وها هو عمر ﵁ يقول: ثلاث وددت أن رسول الله ﷺ لم يفارقنا حتى يعهد إلينا بهن عهدا ننتهي إليه: الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا. متفق عليه.
فلو كان ﷺ يظهر لأحد بعد موته لظهر لعمر الفاروق ﵁، ولفقه عمر ﵁ لم يتمن رؤيا منام يتلقى فيها هذه الأحكام، كما يدعيه بعض المتصوفة من أخذهم الأذكار والأوراد وعهود الطريق عن طريق المنام واليقظة، أما اليقظة فقد مضى ما فيها، وأما المنام فلا يؤخذ منه حكم شرعي على ما قرره أهل العلم، والله أعلم.
الفرق بين الولي والدعي:
المفهوم الشرعي لكلمة (ولي الله) يتجلى واضحاً في قوله تعالى: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون) [يونس: ٦٢، ٦٣] فكل من كان مؤمنا تقيا فهو من أولياء الله تعالى. وليست الولاية محصورة في أشخاص معينين، ولا يشترط لحصولها وقوع الكرامة. قال القرطبي: قال علماؤنا ﵏: ومن أظهر الله على يديه ممن ليس بنبي كرامات، وخوارق للعادات فليس ذلك دالاً على ولايته، خلافاً لبعض الصوفية والرافضة، حيث قالوا: إن ذلك يدل على أنه ولي، إذ لو لم يكن ولياً ما أظهر الله على يديه ما أظهر، ودليلنا: أن العلم بأن الواحد منا ولي لله تعالى لا يصح إلا بعد العلم بأنه يموت مؤمناً، وإذا لم نعلم أنه يموت مؤمناً لم يمكنا أن نقطع على أنه ولي لله تعالى. وروى البخاري في صحيحه أن النبي ﷺ قال فيما يرويه عن ربه ﷿ أنه قال: "من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه.." الحديث.
فطريق الولاية في الكتاب والسنة هو المحافظة على الفرائض والحرص على النوافل، والتحقق بمقامات الإيمان، والتزين بلباس التقوى.
وبهذا يعلم أن المجانين والفسقة والعصاة لا يدخلون في ذلك، وغاية المجنون أن يرفع عنه القلم، لا أن يكون ولياً، فضلاً عن أن يكشف عنه الحجاب، فإن الحجاب لا يكشف لأحد في الدنيا، والوحي لا يتنزل إلا على الأنبياء، وإذا كان الرجل يطير في الهواء أو يمشي على الماء لم يكن هذا دليلاً على ولايته، فإن الخوارق تقع على يد الكافر والملحد والفاسق كما تقع على يد المؤمن. ولهذا قال الجنيد ﵀: علمنا مضبوط بالكتاب والسنة، من لم يحفظ الكتاب ولم يكتب الحديث، فلم يتفقه، فلا يقتدي به.
وقال:"الطرق كلها مسدودة عن الخلق إلا من اقتفى أثر رسول الله ﷺ واتبع سنته ولزم طريقته، لأن طرق الخيرات كلها مفتوحة عليه، وعلى المقتفين أثره والمتابعين.
وليس للولي أن يدعي الولاية لنفسه أو يشهد لها بذلك، فإن هذا من التزكية المذمومة.
كما أن من المفاهيم الباطلة حول الولاية ما يلي:
١- اعتقاد أن الولي يتصرف في الكون، ويجوز دعاؤه والاستغاثة به في الشدائد، واعتقاد هذا خروج عن الإسلام جملة، وقدح في الربوبية والألوهية.
٢- اعتقاد عصمة الولي وأن الله لا يخلق له الخذلان الذي هو قدرة العصيان، كما يقول القشيري عفا الله عنه.
٣- اعتقاد أن الولي يعلم الغيب، وأنه يغني عن نفسه وعن الخلق.
٤- أو أن الولي يتطور ويظهر في أشكال مختلفة، فتارة تراه أسداً، وتارة تراه شيخاً، وتارة تراه صبياً. وأنه يوجد في أماكن مختلفة في وقت واحد، على ما هو مدون في كثير من الكتب المعنية بذكر أولياء الصوفية.
٥- اعتقاد أن الولي يباح له مخالفة الشريعة، وأنه يجب التسليم له وعدم الإنكار عليه ولو ترك الجمع والجماعات، لأنه صاحب حال كما يقول الشعراني وغيره
٦- اعتقاد أن الولاية تكون بيد الولي الكبير يعطيها لمن يشاء من أتباعه، وهذا ضلال لا يحتاج إلى إقامة الدليل على بطلانه.
٧- اعتقاد أن للولاية خاتماً كما أن للنبوة خاتماً، كما قال بذلك الحكيم الترمذي وقد نفي من ترمذ بسبب كتابه: ختم الولاية، وحكم عليه بالكفر بذلك، وقد جاء بعده من ادعى أنه خاتم الأولياء أو ادعي له ذلك كابن عربي وأحمد التجاني وغيرهما.
٨- اعتقاد أن الولي يمكنه سلب العلم والهداية من مخالفيه، وهذا داخل تحت اعتقادهم أنه يتصرف في الكون.
فهذه الاعتقادات الباطلة مما يعلم يقيناً أنها مخالفة للكتاب والسنة ولما عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وأنها سيل أولياء الشيطان لا أولياء الرحمن، والموفق من وفقه الله تعالى.
الاحتفال بمولد النبي ﷺ أو بمولد غيره من الناس لم يكن من هدي نبينا ﷺ ولا هدي أصحابه رضوان الله عليهم.
وقد تقرر إن العبادة مبناها على التوقيف، وأن الشرع ما شرعه الله ورسوله ﷺ، وأن كل عبادة تركها النبي ﷺ مع وجود المقتضي لها وعدم المانع من فعلها، فتركها سنة وفعلها بدعة مذمومة. وهذا أدق ضابط لتعريف البدعة.
أما المقتضي فهو محبة النبي ﷺ، وشكر الله على وجوده ومولده وبعثته، أو إظهار الفرح بذلك أمام المشركين واليهود والنصارى كما يقوله البعض، فهذا كله كان موجوداً في زمنه ﷺ، ولم يكن ثمة مانع من إقامة هذا الاحتفال في عصره أو في عصر الخلفاء الراشدين وهم يفتحون البلدان ويحاربون أهل الكفر التي تعظم رجالها وتحتفل بهم.
فلما لم يكن شيء من ذلك في عهدهم، لم يكن لأحد بعدهم إحداثه، والله اعلم.
أما التذكير بسيرة الرسول ﷺ فيكون بتدريس هذه السيرة وشرحها والحديث عنها في المساجد ودور التعليم، وليس في سردها في ليلة أو ساعة، أو إنشادها على أنغام الأوتار المحرمة، أو ختمها بنقض التوحيد الذي يبعث به ﷺ، والمراد بذلك الاستغاثة والتوجه بالدعاء إلى غير الله من نبي أو ولي.
وقانا الله وإياكم شر البدع والحوادث. والله أعلم.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى]
١٦ صفر ١٤٢٠