أقوال الأئمة الأربعة في ما يلزم من جامع امرأته الحائض
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم من جامع امرأته في حالة الحيض أو النفاس. أرجو ذكر أحكام جميع المذاهب. أي: مذاهب الأئمة: الإمام أحمد بن حنبل والشافعي وأبو حنيفة ومالك ﵏ مع ذكر الدليل الأرجح.
جزاكم الله خيراً.]ـ
[الفَتْوَى]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:
فقد اتفق العلماء على حرمة وطء الحائض، لقوله ﷾: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) [البقرة:٢٢٢] .
قال ابن كثير: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) يعني: الفرج.
وروى أبو داود عن معاذ بن جبل ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ: ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ قال: ما فوق الإزار.
وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح".
وفي البخاري عن ميمونة قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه وهي حائض أمرها أن تأتزر ثم يباشرها".
فمجموع هذه الأحاديث يدل على حرمة الجماع في الفرج، ويبيح للزوج أن يستمتع بزوجته وهي حائض، فيما فوق السرة وتحت الركبة، والاستمتاع بهذه الصورة هو قول الحنفية والمالكية والشافعية، وقد استفادوا هذا التحديد من إباحة النبي ﷺ الاستمتاع بما فوق الإزار، لأن الإزار هو الثوب الذي يستر وسط الجسم وما دونه، وهو ما بين السرة والركبة غالباً، وعلة منع الاستمتاع بما بين السرة والركبة أنه داعية إلى الجماع، ووسيلة إليه، والوسائل لها حكم المقاصد.
فقد ورد في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه".
وذهب الحنابلة إلى أنه يجوز للرجل أن يستمتع بزوجته، وهي حائض كيف شاء، ما عدا الجماع، لما سبق من قوله ﷺ: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح".
لكن قول الجمهور أرجح وأحوط، وأنسب لحال الناس، فإن منهم من قد لا يملك نفسه إذا باشر هذه المنطقة.
أما ما يجب على من جامع زوجته وهي حائض، فالجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية على أنه لا شيء عليه إلا التوبة، لأن الأصل براءة الذمة، ولا ينتقل عنها إلا بدليل، ولأنه وطء حرم للأذى فلم تتعلق به الكفارة كالوطء في الدبر، وهذا القول مروي عن الإمام أحمد أيضاً.
وذهب الإمام أحمد في رواية أخرى، وهي أرجحهما عند الحنابلة إلى أنه يجب عليه كفارة: دينار أو نصف دينار، لما روى أبو دود والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال في الذي يأتي امرأته وهي حائض: "يتصدق بدينار أو بنصف دينار" والحديث صححه الألباني.
والدينار زنته أربعة جرامات وربع الجرام من الذهب تقريباً، والراجح هو قول الحنابلة لصحة ما استدلوا به.
والله أعلم.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى]
١٦ صفر ١٤٢٠