بطلان قصة الغرانيق
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد معرفة ما معنى آيات شيطانية وهل توجد؟]ـ
[الفَتْوَى]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:
فلعل السائل الكريم يسأل عن تلك القصة التي أوردها كثير من المفسرين عند تفسير قول الله ﵎: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الحج:٥٢] .
والقصة رواها الطبري وابن أبي حاتم والبزار وابن مردويه وملخصها - كما في الفتح- أن النبي ﷺ، قرأ بمكة "والنجم" فلما بلغ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى* وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى [النجم:٢٠] ، ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترجى، فقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، فسجد النبي ﷺ ومن معه من المسلمين، وسجد معهم المشركون، فكان هذا سبب نزول قول الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ....
وهذه القصة ضعف الحفاظ سندها ومتنها وقالوا: إنها لا تصح شرعاً ولا عقلا بهذه الكيفية، بل قال ابن خزيمة: إنها من وضع الزنادقة.
وقال ابن العربي: إنها باطلة لا أصل لها.
وقد ردها القاضي عياض واستدل على بطلانها بأن ذلك لو وقع لارتد كثير من المسلمين، وأن الشيطان لا سبيل له ولا سلطان على عباد الله المخلصين، وأحرى على النبي ﷺ، وأن النبي ﷺ معصوم من الزيادة والنقص في الوحي.
وقال الحافظ في الفتح بعد ما ذكر مبحثا طويلا في هذا الموضوع والأقوال الواردة فيه عن أهل العلم: وكثرة الطرق تدل على أن للرواية أصلاً.
وقيل: كان النبي ﷺ يرتل القرآن فارتصده الشيطان في سكتة من السكتات، ونطق بتلك الكلمات محاكياً نغمته بحيث يظن من سمعه أنها من قوله وأشاعها، قال: وهذا أحسن الوجوه، ويؤيده ما تقدم عن ابن عباس من تفسير "تمنى" بِتَلَا، ثم قال: واستحسن ابن العربي هذا التأويل....، وقال: في أمنيته، أي في تلاوته، فأخبر الله تعالى أن سنته في أنبيائه وسيرته في رسله إذا قالوا قولا زاد الشيطان فيه من قبل نفسه، فهذا نص في أن الشيطان هو الذي زاده في قول النبي ﷺ لا أن النبي ﷺ هو الذي قاله، قال: وقد سبق إلى هذا المعنى الطبري لجلالة قدره وسعة علمه وشدة ساعده في النظر فصوب هذا المعنى وحَوَّم عليه. أحكام القرآن/ سورة الحج.
والحاصل أن هذه القصة ضعيفة السند، وأنه يستحيل شرعاً وعقلاً أن يلقي الشيطان على لسان النبي ﷺ هذه الألفاظ الشركية الفاسدة، وإذا اعتبرنا أن لها أصلاً فيمكن أن يقال: إن الشيطان هو الذي زاد في الذي قاله النبي ﷺ، وذلك لأن النبي ﷺ كان يقطع قراءته فيقف عند كل آية، فيتبع الشيطان تلك السكتات فقال بعد وقفة "ومناة الثالثة الأخرى" "تلك الغرانقة العلا وإن شفاعتهن لترجى" فأما المشركون والذين في قلوبهم مرض فنسبوها للنبي ﷺ بجهلهم حتى سجدوا معه اعتقاداً منهم أنه أثنى على آلهتهم.
وعلم الذين أوتو العلم أن القرآن حق من عند الله تعالى لا يلتبس مع غيره. هذا ملخص ما حققه ابن العربي. وهذا إذا كان السؤال عن ما ألقاه الشيطان أثناء قراءة النبي ﷺ، وظن المشركون أن النبي ﷺ، هو قاله، ولمزيد من الفائدة عنه نرجو الاطلاع على الفتوى رقم: ٢٢٩٥٠.
أما إذا كان السؤال عما يعرف بكتاب الآيات الشيطانية للمرتد سلمان رشدي: فإنه كتاب تافه مليء بالكذب والكفر والطعن في الدين لا يستحق السؤال عنه ولا الإجابة عليه، وقد سبقت الإجابة عنه في الفتوى رقم:
١٥٧٢٨.
والله أعلم.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى]
٠٣ ذو الحجة ١٤٢٣