أمر جبريل لرسول الله ﷺ بالقراءة مع أنه أمي
[السُّؤَالُ]
ـ[سورة العلق بدأت بـ "أقرأ" ورسولنا أمي فهل مع جبريل ما يقرأ منه كلوح أو كتاب؟ وما معنى اقرأ في ذلك الموضع؟]ـ
[الفَتْوَى]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:
ففي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: "أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ قال: ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: أقرأ، قلت: ما أنا بقارئ ... فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني. فقال: اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم.
فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد ﵂ فقال: "زملوني زملوني" الحديث.
وقول الملك لنبينا ﷺ: اقرأ: أمر بالقراءة.
والقراءة نطق بكلام معين مكتوب، أو محفوظ عن ظهر قلب، كما قال تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) [النحل:٩٨] . أي إذا نطقت بالقرآن الذي تحفظه.
وقد أجاب النبي ﷺ جبريل بقوله: "ما أنا بقارئ" لأنه لم تسلم إليه صحيفة، فيطلب منه قراءتها، وهو أمي لا يعرف القراءة من الصحف، ولم يتقدم إملاء كلام عليه محفوظ، فتطلب منه قراءته.
وهنا يرد سؤال آخر، وهو: ما وجه قول جبريل ﵇ "اقرأ"، فيقال: الأمر بالقراءة حقيقته: تحصيل الفعل في الحال أو في الاستقبال، وجبريل ﵇ إنما أراد حصول القراءة من نبينا ﷺ في المستقبل القريب، أي أن يقول ما سيملى عليه، فهو كما يقول المعلم للتلميذ: اكتب، فيتأهب لكتابة ما سيمليه عليه.
وإنما كرر جبريل ﵇ الأمر بالقراءة تأكيداً لأهمية الأمر وجديته، وتهيئة للنبي ﷺ ليتلقى هذا القرآن العظيم.
وقول عائشة ﵂ في الحديث: "فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده" أي رجع بالآيات التي سمعها من جبريل ﵇.
ويدل عليه أيضاً قول خديجة ﵂ لورقة بن نوفل: "يا ابن عم اسمع من ابن أخيك".
والحاصل أن معنى "اقرأ" في هذا الموضع: ردد وقل ما سيملى عليك، أفاده العلامة الطاهر بن عاشور في تفسيره المسمى التحرير والتنوير.
والله أعلم.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى]
٢٤ شعبان ١٤٢٢