يا ليل!
للأستاذ فخري أبو السعود
يا ليلُ هل لك دوني صاحبٌ ثقةٌ … مُغلٍ لقدرك صافي الود في الناس؟
أغليت سَاعَكَ حتى بِتُ راعيها … رَعي الشحيحَ كريم الدرَ والماس
أغليت ساعك غيري من يبذرُها … مثرثراً بين أصحابٍ وجُلاس
وصُنتُ آنكِ لا أُمسي أُضيِّعها … وقد صفت - بين سِفرٍ لي وقرطاس
لكنَّ في ملكوتِ الحسن منتجعي … إذا دَجَوتَ وإسرائي وتعساسي
في ملك حسنك ممتداً ومنبسطاً … أَحَبُّ مسرى لمرتادٍ وجَواسِ
تدعو فآتي أُغِذُّ السيرَ تلبيةً … ما بين دَوح رطيب الغصن مياس
راوي الأزاهر والأوراق ما برحت … عليه آثارُ هامي المزنِ رجاسِ
تتلو صفوفٌ صفوفاً منه ماثلة … كأنها في الدجى أشباح أحراس
أو فوق شط أتيِّ الموج مرسلة … أمواجُه حُلو أصداءٍ وأنفاس
سالت عذوبتُهُ سيلاً وَرِقَتُّه … من مائه الملح أو من صخره الجاسي
يهتزُّ فيه شعاعُ النجم مؤتلقاً … وآنة ضوءُ بدرٍ سابغٌ كاس
كم طالعتني المعاني فيك سافرة … وأسلست لي القوافي أيَّ إسلاس
فرداً وحيداً أوافي ملك حسنك قد … زهدتُ عندك في صحب وأحلاس
في وحدتي وسكون الكون لي رطبٌ … ووحشتي في الدجى يا ليلُ إيناسي
لا بل خدينيَ آمالي وعاطفتي … أيانَ سرتُ وأفكاري وإحساسي
وما جلوتَ لعيني من حُلاك ومن … أُفُقٍ ونجمٍ وأزهارٍ وأغراس
حديث هاتيك أشهى لي وأعذبُ لي … يا ليلُ من قول جهالٍ وأكياس
للنفسِ ثُمَّ حديثٌ كم تبُثُّ به … من ذكريات وتأميل وإيجاس
نجواك يا ليل كم تُذْكى بها همماً … وكم تجدِّدُ من عزم ومن باسِ
تُحيي بها أنت آمالاً وترفعها … عما بِذا العيشِ من قبح وأرجاس
حتى أؤوبَ - ذا آن الإيابُ - كمن … قد آب من موكِبٍ أو غُرِّ أعراس
مُمَتَّعَ اللبّ والعينين رَاويهَا … مُنَزَّهَ النفس عن هم وعن ياس