هي صنعة المولى تَمَلَّكَ سِرَّها … وأجادها وَوَعي دقيق حسابها
أبُنَيَّ أزْمَعْتَ النوى وتركتني … أشْتَفُّ من كدر الحياة وصابها
أذكيت نار الحزن تلتهم الحشا … وتذيب قلبي من سعير لهابها
تلك الدموع الحائرات بمقلتي … هي مهجتي تنساب من أهدابها
أفلا رَحِمْتَ أباك من أدوائه … حتى أضفت لها الفراق مشابهاً
ورَحِمْتَ أمك من لواعج ثكلها … وغزير عبرتها وسود ثيابها
تبكي وتندب حظها وعِثَارهُ … وَربيبَ مهجتها وصِنْوَ شبابها
وتود لو أنَّ الدموع شرابُها … أو أن ماء البحر من تسْكابها
وتطوف حول القبر تلتمس الهدى … فكأنما أوفتْ على محرابها
حَيْرَى مُحَسَّرةً تمثل حزنها … فتكاد تلمسه على جلبابها
الخطب أرهقها وحَطَّمَ عودها … ولرُبَّ عاقلةٍ مَضى بصوابها
قد كنت وَثّاب الذكاء مَحَّبباً … وبرئت من طبَعِ الخصالِ وعابِها
قد كنت بهجة دارنا وسرورها … فغدت بفيض الحزن من أَعتابها
قد كنت لي أملاً ألُوذُ بنوره … في لجة الدنيا وشق عبابها
غدت الحياة ثقيلة أيامها … ضَيْقٌ على رَغمي فسِيحُ رحابها
ما أضيع الآمال بعدك والمنى … هي خُدْعَة الدنيا وكِذْبُ سَرَابها
حشدت لي الأيام حُرَّ نِصَالها … ومضت تجُذُّ بحدها وذُبابها
وتتابعت نُوَبُ الزمان كأنما … ألِفتْنيَ الأحداثُ في إغْبَابها
وأصاب هذا الدهر خير أحِبّةٍ … سَلكتْهُمُ العلياءُ في أنْسَابها
كانوا ملاذ الفضل مُعتصمَ الحجا … وبشاشة الدنيا وزَهْوَ خِضَابها
قد كنت أمرح بينهم في روضة … والآن صرت لوحدتي ويَبابها
أَبني إن عظمت بفقدك نكبتي … فرَجائيَ المولى عظيمُ ثوابها
ناداك ربك فاستجبت نداءه … وصدَفْتَ عن دنيا الورى وكذابها
نم في جوار الله غير مُرَوَّع … وانعم بجنته ورحب جنابها
وَارْتعْ هنالك بين رَيِّق مائها … وبهيج سُنْدُسِها وفي أعْنابها