يوم مطير
للأستاذ عبد الرحمن شكري
نهار تَدَانَى الدَّجْنُ في عُلوِ اُفِقِه … مُبَلَّلَةٌ أرجاؤه ومَنَاكِبُهْ
خَبَتْ شمسه كالجمر يخبو لهيبه … وعاد رمادا حسنُهُ وعجائِبُهْ
دجا مثل وجه الهمِّ إلاَّ جلاله … فللدَجْن سحر يَحْزِنُ النفسَ خالِبُهْ
ثقيلٌ على القلب البَهيجِ عُبُوُسُهُ … ولكنه قد يَسْحِرُ القلب كاَرِبُهْ
كما كان بعضُ الحزنِ للنفسِ شائقا … تُعَاقِرُهُ في نشوة وتُقَارِبُهْ
ترى قطراتِ الغيث كالخيلِ اُطْلِقَتْ … لِكَسْبِ رهانٍ أحرز السبقَ كاسبه
وتحسبها كالطير تهفو تَنَزِّياً … تَنَزِّي الدَّبَي إن أهرقَ الغيثَ ساكبه
كأن الصِّلال الزاحفات على الثرى … تجوس إذا ما الغيث جاست سواربه
كما عاج حيران يمينا ويسرة … من الذعر، شر الذعر ما عاج صاحبه
على الأرض والجدران والدوح قطرُهُ … ويَدْفَعُ في وجه المُشَرَّدِ حَاصِبُهْ
أيسطوا عليه الغيث يغسل نحسه … أم الغيث من لَهْوٍ تراه يداعبه
كَلَهْوِ غلام مُلِّكَ القَسْوُ قَلْبَهُ … إذا حيوانٌ هَابَهُ فَهْوَ ضاربه
سجيةُ كل الناس من هاب شَرَّهُمْ … رَمَوْهُ بِبَأسِ اللؤم والخوفُ شائبه
ويعزو خيالُ المرء للكون روحَهُ … مناقبهُ تُجْلى به ومثالبه
إذا رَنَّقَ التربُ الهواء انبرى له … من الوَدْقِ طُهْرٌ يغسل الجو صائبه
ترى البرقَ فيه مُصْلِتِاً سيف نقمة … لها الرعد صوت يذهل اللبَّ راعُبهْ
إذا خف كان الغيث لهواً ونعمة … وإن لج لاحت للعيون خرائبه
ويطغى على الوادي بجيش عَرَمْرَمٍ … مسالكه مذمومة وعواقبه
يخف على لوح الزجاج فصوته … طنين فَرَاشٍ مَرَّ باللوح حاصبه
وطوراً يُلِحُّ الودق منه فصوته … خريرٌ كما يَسْتَحْلِبُ الدَّرَّ حالبه
ويرنو إليه المرءُ من ثقب بيته … كَأَنَّ غريباً يَتَّقِي منه هائبه
وطوراً ترى الغلمان تلقط طَلَّهُ … يداعب صِنْوَ صِنْوَهُ ويلاعبه
ترى كل لَوْنٍ بعده قد زْها به … كأن طِلَاءً فوقه لجَّ خاضبه