يكفيكَ أنكَ قد رشفتَ رضابها … فاترك بقاياها لغيرك واقنع
دَعها لسافلةِ الطيور غنيمةً … وانشدْ سواها في مكانٍ أرفع
في موضعٍ أقوى الفساد عراصَه … وا روعتاهُ لطهر ذاك الموضع!
وإذا ظمئت ولم تجدْ لك منهلا=عذْب المياه كصافياتِ الأدمع
فاطوِ الضلوعَ على الصدى أو مُتْ به … حرّاً أبيّ النفسِ غير مروّع
لَلموتُ خيرٌ من ورودكَ موردا … ولغَ الكلابُ بمائِه المتجمِّع
من كان لا يرضى المجرة مشرباً … هيهات يغشى كدرة المستنقع
ومغيظةٍ أنحتْ عليَّ بلومِها … راحتْ تصبُّ عتابها في مسمعي
قالت (وما كذبت) أراك سلوتنا … ودنت تعانقني فقلت لها ارجعي
فاستَغربت مَّما رأته وهالَها … ألاّ أطاوعَها على ما تدَّعي
قالت أتذكر حينَ كنتَ مُتَيّماً … تشكو لهيب فؤادِكَ المتصدّع
وتروح تُقسم أن تصون عهودنا … فعلام خنت إذن أجب أفلا تعي؟
فأجبتها قَدْ كان ذلك والهوى … عَفٌّ وثوبُ الطهر غير مرقع
أغراك أني شاعرٌ متعِّبدٌ … للحسنِ أرعاهُ بقلبٍ موَجع
أهوى، نَعمْ أهوى الجمال مبرقعاً … بالطهر لا أهواهُ غيرَ مبرقع
أهوى الجمال عفيفَهُ وبعيدَه … عن كل شائنةٍ وفحش مُقْذع
ولقد أعافُ الشيء مع أني به … كلف شديد الوجد صعب المنزع
وأعودُ عنه وملء نفسي شهوة … وكما علمتِ تعفّفي وترفعي
كم منهلٍ يمَّمْتُهُ متجرِّعاً … سقطَ الذبابُ به فلم أتجرع
قد كان حسنكِ قبل ذلك ملهمي … واليومَ بات وقد تدَّنس مُفزعي
عودي إلى ما كَنِتهِ من عفةٍ … أو فاتركيني لا تقضي مضجعي
ودعي التصُّنعَ بالغرام فما أنا … ممن يبالي بالهوى المتصنَّع
إن تبتغي وصلاً فلستُ بمْبَتغ … أو تزمعي صلحاً فلست بمزمع
أو كنتِ مولعةً وأنت كما أرى … تبغينَ تَضليلي فلستُ بمولع
(دار الأهرام)