غريب
للأديب محمد قطب
غريب أنا في ذلك الكون كله … على سعة في الكون توحي بإيناس
غريب بنفسي عن نفوس كثيرة … غريب بفكري عن دُنى ذلك الناس
وأحسب أنى تائه في غمارهم … كما ضل ومض في غمار الدجى القاسي
وما نلتقي في خفقة أو وشيجة … ولا فكرة عليا ولا طيف وسواس
وما بيننا من رابط غير أننا … نجوب معاً دنيا من الحلك الكاسي
ترى أينا أصفى ضميراً وعنصراً … ومن فيه صدق أو سلامة إحساس
لأحسب في دنياهُم كل ضلة … وأحسبها دنيا شرور وأرجاس
لقد كنت قبل اليوم هيمان في الذرا … أحلّق نشواناً إلى كل مرتاد
يفيض بنفسي الفن بشراً وغبطة … ويهتف في أذنيّ كالطائر الشادي
ويخلق في نفسي مُنىً عبقرية … ويلهمني الإحساس كالكوكب الهادي
ويمنحني صفو الحياة وذخرها … وأجمل ما يهفو له الناهل الصادي
فأشبع حبي للحياة نقية … ويسمو إلى خلد السماء فؤادي
فأرقب هذا الناس في ديوانه … كما أرقب الأنعام تنساب في الوادي
فيأخذني رفق بهم في ضلاهم … يهيمون في دنيا الظلام بلا حادي
ولكنني أقفرت يوماً من المنى … وجئت إلى الظلماء غير مزود
فلفتني الظماء من كل جانب … وبثت ليَ الأشواك في كل مقصد
وما أرتوي من مورد، أي مورد … وما ألتقي إلا بدجوان أجرد
وطال هيامي في الظلام بلا هدى … فأجهدت من سير ممل مشرد
وأخلد قلبي لسكون وللكرى … بليداً من الإحساس أي تبلد
فلما أفقت اليوم من ذلك الكرى … تلمست حولي الكون علِّيَ أهتدي
فألفيتني فيه غريباً مشرداً … أهوِّم في واد من التيه سرمد
(معهد التربية)
محمد قطب