ويرى الشاعر أن الأرض والسماء لا تبيدان إلا برجفة (القيامة)، أما (قيامة) مصر فهي جفاف النيل الذي خاطبه الشاعر فقال:
من أي عهد في القُرى تتدفق … وبأي كف في المدائن تُغدقُ
ومن السماء نزلت أم فُجرت من … عُليا الجِنان جداولاًتترقرق
وبأيِّ عينٍ أم بأيَّة مُزنةٍ … أم أي طوفانٍ تفيض وتفهق
وبأي نَول أنت ناسجُ بردةٍ … للضَّفتين جديدُها لا يخلق
تسودُّ ديباجاً إذا فارقتها … فإذا حضرت اخضوضر الإستبرق
في كل آونةٍ تبدِّل صِبغةً … عجباً وأنت الصابغ المتأِّنقُ
أتت الدهور عليك مهدُك مترعٌ … وحياضك الشُّرقُ الشهية دُفق
تَسقى وتُطعم لا إناؤك ضائقٌ … بالواردين ولا خِوانك يَنفَق
والماءُ تسكبه فيسَبك عسجداً … والأرض تغرقها فيحيا المغرَق
ونظر الشاعر فرأى الوثنية المصرية تأمر بعبادة النيل، فشاء له الأدب أن يوجه تلك العبادة توجيهاً يرفع عنها أصر الشرك بواجب الوجود:
دينُ الأوائل فيك دينُ مُروءةٍ … لم لا يُؤَّله من يَقوت ويرزُق
لو أن مخلوقاً يُؤَّله لم تكن … لسواك مرتبة الألوهة تخلَق
جعلوا الهوى لك والوقار عبادة … إن العبادة خشيةٌ وتعلُّق
ثم نظر الشاعر فرأى أن المصريين القدماء كانوا يهتمون ببناء القبور أضعاف ما يهتمون ببناء البيوت، فاتخذ من ذلك دليلا على حبهم للخلود:
بلغوا الحقيقة من حياة عِلمُها … حُجُبٌ مكثَّفة وسرٌّ مغلق
وتبينوا معنى الوجود فلم يروا … دون الخلود سعادةً تتحقَّقُ
يبنون للدنيا كما تبني لهم … خرباً غرابُ البين فيها ينعق
فقصورهم كوخٌ وبيت بداوةٍ … وقبورهم صرحٌ أشمُّ وجوسق
ولم يفكر الشاعر في تفنيد خرافة (عروس النيل) وإنما جعلها حقيقة شعرية حين قال:
ونجيبةٍ بين الطفولة والصبا … عذراء تشربها القلوب وتعلَق
كان الزفاف إليك غاية حظها … والحظ إن بلغ النهاية موبِقُ