الأعرابية الكادحة
للأستاذ محمد بهجة الأثري
(قرأت لأعرابية قديمة قولها:
أظل ارعي وأبيت أطحن … والموت من بعض الحياة أهون
فقرأت في إيجازه البليغ كتاب عيشها المفعم بالكدح والشقاء، وألفيت في وصفها لحياتها وصفاً صادقاً لحياة أعرابية اليوم هزني هزاً فقلت:)
(أظلُّ أرعى وأبيت أطحن) … ليليَ كَدْحٌ ونهاري شَزَن
يَطْوي حياتي بالشقاءِ الزمن … (والموت من بعض الحياة أهون)
يا ليت شعري والورى تمتحن … تسوؤها الأيام ثم تحسن
أكلَّ دهري ارتعي وأطحن؟ … يُسْلِمُني ذاك لذا ويَقْرِنُ
ما طلعت شمس ووافى مُدجن … أما بدهري ليَ يومٌ أيمن؟
لا أضطني فيه ولا أمتهن؟ … أذوق فيه العيش وهو ليّن؟
أَقِيلُ في هجيره وأسكن! … ويحتويني الليل وهو محسن؟
فيلفيَ الراحة جسمي الضمن؟ … وتطعم السهاد مني الأجفن؟
لُماظَةً تُريحني يا وسن … ولَفْتَةً تُسعدني يا زمَن
لم أدر ما العيش ولا ما السكن … لكنه شيءٌ رَوَتْهُ الألسن
جَهِلتهُ وإن وَعَتْهُ الأذُنُ … هل لي أن أدري ما لا أزكن؟
سلني عن البؤس، فعندي العلن … من أمره والباطنُ المكتمنُ
إن فؤادي للهموم موطنُ … فَهْوَ بها مُحَنَّطٌ مكفَّنٌ
ينحت جنبي الضحى والموْهن … كأن صرف الدهر بي مرتهن
كم أكلتْ قلبي الرحى إذا أطحن … وبَتَّ تأوينيَ هذا الشزَن!
عشيري البَهم وداري الدِّمن … وزاديَ الجشب ووردي الآجن
ثوبيَ أسمالٌ وجسمي دَرِنُ … أَرْحَضُهُ بعَرَقي فيأْسَنُ
وأرفأ الجيب فيهرا الرُّدُنُ … لكن عرضي وافرٌ لا يمهنُ
أبيض لم تَلُثْ نقاه الظِّنَنُ … حَسْبُ الحصان أن تطيب الألسن