ثمالة كأس
للأستاذ فخري أبو السعود
بقية أيام تَقَضَّى كثيرها … بنعماَء أو بأساَء والعيش قُلَّبُ
غدوتُ أقضِّيها بأرضِ عَلقْتهاَ … وطاب بها لي مستراد ومذهب
وطاب اجتلاء الحسن بين شعابها … أشرِّق فيها تارة وأغرِّب
تَبَسَّمُ أحياناً فيعذب بِشْرُها … ولستُ بِخاَشً سُخْطَهَا إذ تُقَطَّب
بها مُسَتجَمُّ للجسوم ومتعة … وَرِىُّ وللنفس الشجية مهرب
إذا ما سقاها الغيث صفىَّ أديمها … ونقَّى ثراها حيثما يتصبب
قرفَّ بها عشب وشفَّ بها صفاً … وماد بها غصن ندىُّ مُرَطَّبُ
وفاح بها عطر ورقَّت نسائم … وتاه على البلور قاعٌ ومَشْعَب
فكم ثَمَّ من حُسن نثير منظَّم … وشِعْرٍ إلِهيّ هنالك يُكتب
على هَامهَا حيناً وفي وهَدَاتِها … أُصَعَّدُ في جنح الدجى وأُصَوِّبُ
وفي نشوة الآصال أو يقظة الضحى … وعند شروق الشمس أو حين تغرب
فكم ليلة قد جَمَّدَ البردُ ماَءها … بأحشائها أقبلت لا أتهيَّب
وقد عَوتِ الأرواحُ فيها وأطفأتْ … مصابيحها لم يَبْد ثمَّتَ كوكب
وكم مَشْرِقٍ بادرته في طلوعه … ومازال ماء المزن في الغصن يضرب
وقد عظَّ أهلوها وَأقبلتُ مِثْلَ مَنْ … له عند قرص الشمس في الأفقْ مأرب
يُنَقِّطُنى غصُن بُمنْهَلَّ قَطْرِهِ … ويعبق من حولي نسيمُ ويلعب
صَحَابي هاتيك الشِّعابُ أَلِفْنَني … ويعرفه خطوى حيثما رُحْتُ أدأَب
لقد آذنتْ بالبين صُحبتنا سوى … ثمالة كأس عن قليل ستنضب
أُبَا كِرُها صَفْواً وأَعْلّمُ موقنا … بأن ثَّماَلَ الكأس أشْهَى وَأطيَبُ
سأذكرها يوماً فَأَحْمَدُ عَهْدَها … وأَهفُو إليها مستهامًاَ وأَطرب
فخري أبو السعود