من ظرفاء العصر العباسي
أبو دلامة
توفي سنة ١٦١ هـ
للأستاذ صبحي إبراهيم الصالح
- ٥ -
ونلاحظ أن أبا دلامة لم يكن يصله - غالباً - شيء من المال إلا بنادرة كما رأينا في قصة الوصيف، أو بحيلة كما سنرى الآن في قصته مع العباس بن محمد - عم المهدي - الذي كان من أبخل الناس:
دخل أبو لامة يوماً على المهدي، فحادثه ساعة وهو يضحك وقال له: هل بقي أحد من أهلي لم يصلك؟ قال: إن أمنيتي أخبرتك، وإن أعفيتني فهو أحب إليَّ. قال: بل تخبرني وأنت آمن. قال: كلهم قد وصلني إلا حاتم بن العباس. قال ومن هو؟ قال: عمك العباس بن محمد. فالتفت إلى خادم على رأسه وقال: جَأُ عُنق العاض بظر أمه. فلما دنا منه صاح به أبو دلامة: تنحَّ يا عبد السوْء لا تحنثْ يمين مولاك وتنكث عهده وأمانه. فضحك المهدي وأمر الخادم فتنحى عنه، ثم قال لأبي دلامة: ويلك! والله عمى أبخل الناس. فقال أبو دلامة: بل هو أسخى الناس. فقال له المهدي: والله لو مت ما أعطاك شيئاً. قال: فإن أنا أتيته فأجارني؟ قال: لك بكل درهم تأخذه منه ثلاثة دراهم. فانصرف أبو دلامة فحبر للعباس قصيدة ثم غدا بها عليه وأنشده:
قف بالديار وأيَّ الدهر لم تقفِ … على المنازل بين الظهر والنجف
وما وقوفك في أطلال منزلة … لولا الذي استدرجتْ من قلبك الكلف
إن كنت أصبحت مشغوفاً بساكنها … فلا وربك لا تشفيك من شغف
دَع ذا وقُل في الذي قد فاز من مُضر … بالمكرمات وعز غير مقترَف
هذي رسالة شيخ من بني أسد … يهدي السلام إلى العباس في الصحف
تخطها من جواري المصر كاتبةً … قد طالما ضربت في اللام والألف
وطالما اختلفت صيفاً وشاتيةً … إلى معلمها باللوح والكتِف