عرس في مأتم
واعَجَبَاً للمرء في جَهْلِهِ … وهو أخو اللُّبِّ شقيقُ النُّهى
يُمعِنُ في غَفْلَتِهِ حالماً … وَيَحسِبُ الضِلَّةَ كلَّ الهدى
يَطوي شقاء العمرِ في سَكْرَةٍ … نشوانَ يُغريه رفيفُ الرُّؤى
وهمانُ كلَّ العمرِ ما إن يعي … سرَّ الدُّنى. يا بؤسَه لو وعى!
يا سرَّه! أيةُ أُلعوبَةٍ … هَيِّنَةٍ في كفِّ هذي الدُّنى
وسرَّ هذا الكونِ من شاعرٍ … مُسْتَعْجَمِ اللفظِ غريبِ اللُّغى
شَيَّعتُ بالأمْسِ رُفاتِ الصِّبا … في لوعةِ الثُكلِ ومُرِّ الجوى
يقولُ لي صحْبِيَ في فَرحَةٍ … هَوِّن على نفسِك بعضَ الأسى
لله قَلبُ المرءِ من غامِضٍ … يُحَيِّرُ اللُبَّ ويُعْيِي الحِجى
يَبكي لِما يُضحِك حيناً وقد … يُضْحِكُهُ ما يَستَفزُّ البُكا
تراه كالدَّمعِ همى رقَّة … طَوراً وطَوراً كَحَرونِ الصَّفا
هذا الشبابُ الجَهمُ ما عِندَهُ؟ … أثَمَّ مِنْ بارِقَةٍ تُرتَجى
صَحراؤهُ مُرمِضةٌ رَحْبَةٌ … وكُلُّ شَئٍ موحِشٌ في الفلا
لا بُلبُلٌ يُطرِبُ إمّا شدا … ولا رُبى يَعبَقُ فيها الشَّذى
أقطَعُ وَحدي عَرضَها راكباً … صَهوَةَ آمالي، أسيرَ القضا
أضْرِبُ في آفاقِها حائِراً … أجري وما لِلجَرْيِ مِنْ مُنْتَهى
أَخُبُّ لا مُؤْنِسَ في وَحدَتي … تِلكَ ولا مِن سامرٍ في الدُّجى
ظمآن! إنْ آلٌ بدا مَرَّةً … بَذلتُ خلفَ الآلِ كلَّ القُوى
يَحِفُّ بي مِنْ أنسُرٍ مَوْكِبٌ … يَرْقُبُ أنْ يأتي عليَّ الرَّدى
تُرى أأنجو سالماً؟ أم تُرى … أهوى صَرِيعاً جَاهِداً للثرى
وَفِتْيَةٍ همُّهُمُ مَلْعَبٌ … وكُلُّهم كالزَّهر غَضُّ الصِّبا
ضَمَّتهُمُ للعِلمِ فَيْنَانَةٌ … كما يضم الدَّوحُ سِربَ القَطا
مِثلِ الظِبا في مَرَحٍ دائمٍ … يَحيَون في أحلامِهم والمُنى
يا فَرَحَة الأطفالِ! لَو أَنَّها … تدومُ للإنسانِ طُولَ المَدى
يأتي عليها الدهرُ مُستأسِداً … يُشهِرُ غَضبَان نُيوبَ الأذى