الذكرى
أيتها الذكرى جزيت من دمي … أنت وإن نكأت جرحي بلسمي
ما أنت؟ هل أنت كتاب دارس … يهمس بين دفتيه هامس؟
أم طائف يهزج قيد مسمعي … إذا خلوت بالبكا كان معي
أم واعظ بالزفرات ينطق … أم شبح بناظري معلق
أم أنت في ليل الضمير ناعبه … أم ثاكل بين الضلوع نادبه
أغريت بي طيف الحبيب، مرحباً … بمن أباح مهجتي وعذباً
يزورني مع الكرى وفي السهد … يا زائراً بالقلب والجفن انعقد
أحببته لغرة مثل الضحى … وطلعة لو شامها الصبح امحى
ومقلة أهابها بين المقل … ومبسم من مشرع الخلد نهل
كأنه الوردة في ريعانها … أو نعمة البائس في أبانها
يشفي غليل المستهام إن ألم … وربما داوى الشقي بالألم
أحببته حباً على النفس غلب … وما على الصب المشوق لو أحب؟
إن الشباب نهم مذوق … نشوان من كل حلال يسرق
يلص ما يحلو له بلا وجل … ويشحذ النظرة تمضي كالأجل
ولا يبالي أحرقته ناره … وزلزلت فوق الصعيد داره
أم عانق اللذة في غلائل … وجاده صوب النعيم العاجل
أيتها الذكرى أعيدي ما غبر … ورددي ما طاب من عيشي ومر
لله أيام الصبا ما اجملا! … ودورة العمر بنا ما اعجلا!
أين لأترابي أمس ملعب … ومستراد نازح ومذهب؟
وأين عهد بالحمى لا يخلق … وكيف وهو للحياة مشرق
تغير الصحب وقوض الحمى … كأنما عشنا به توهما!
وغالت الأحلام غولة القدر … فودع السكر وجاءت الفكر
أكلما لج الأسى بخاطري … محوت بالماضي شقاء الحاضر؟
سينضب العمر فبثي سره … والحب خطى في الهواء قبره
وأسمعيني في الممات لحنه … وصوري لناظري حسنه