تمادوا بشكواهم
للأستاذ فخري أبو السعود
لقد زهَّدَتني في القريض معَاشر … إذا نَظَموا فالحزنَ والمّ والغَمَّا
كأنْ ليس غيرَ البؤسِ للشعرِ مُلْهِمُ … ولولاه ما قالوا ولا عرَفوا النظما
قوافيهمُ آهُ فواهُ فعَبْرَةُ … تَلى زَفرةً من مُهجَةٍ منْ أَسَى تَدْمَى
تمادَوْا بشكوَاهم فَمُلَّتْ وَأصبحوا، … إذا ما شكَوْاهَمَّا لقارئهم، همَّا
أكلُّ أخي شِعرٍ خدينُ بلابل … يفوز سواه بالأماني وبالنعمى؟
يَخالون أنَّ الشعر يزداد رقةً … إذا وصفَ الأشجان والألم الجمّا
فهذا شكا في جنبه ألفَ طعنةٍ … وذاك طوى في كلِّ جارحةٍ سهما
وذا صدرُهُ وعيناه ديمةُ … وأضلاعُه حرَّى وأحشاه كَلْمى
وذاك بطئُ ليلهُ متطاولُ … يُساهر فيه وحده الأفْق والنجما
وذلك أضواه وأَوْهَى اصطبارهُ … غرامُ مَشَى في جسمه يُنْحِل الجسما
وذلك يبكي كالوليدة ساخطاً … بلا سبب يُدرى ولا غرض يُسمَى
وذَيَّك يشكو دهره ويذمه … ويزعم أنَّ الدهر أَوْسَعَهُ ظلماً
يكلِّف باعَ الدهر ما لا يطيقه … ويُنحى عليهِ - حين يَمْنعُه - لوما
يود لَوَ أنَّ الدهر يأتيه بالمني … جميعاً ولم يدأَب ولا عَقَد العزما
وقد يَبْلُغُ الساعي إذا جَدَّ سعيُه … مُناهُ ولم يَلْحَ الزمانَ ولا ذَما
يَخَلُ حياةَ الناسِ قارئُ شعرِهم … بلاءً فلا نُعمى هناك ولا رُحْمى
وكم في رحيب الكون من نِعَم ومن … مَحَاسِنَ تُصْبى العين والروح والفهما
وكم عَرَضَتْ فينا الطبيعيةُ حسنَها … بلا ثمنٍ غُمْاً لِمَنْ بَاَدَرَ الغنما
تَرَى في مجاليها وأَلوان حسنها … عَزاَء لمن يأسى وَرِيَّا لمن يَظْماَ
ووحياً لشعرٍ ينبذ الشكو َوالبُكا … ويستلهم الأنوارَ والروضَ واليَماَّ
فخري أبو السعود