الذكر
للأستاذ فخري أبو السعود
صوتٌ مِنَ الأمس ما أنْفَكُّ أسمعُهُ … مُرَدَّدُ اللحن في بالي مُرَجَّعُهُ
لحنُ شجيُّ لطيف الوقع ساحرُهُ … يَدُ الليالي على قلبي تُوَقِّعه
إذا تَرَدَّدَ منه في الضلوع صدًى … ثار الحنينُ ونَدَّ الجَفْنَ مدمعه
نهرُ يَظَلُّ بنفس المرءِ مُنْسَرِباً … وفي مجاهِل ماضي العيش منبعه
طيفُ مدى العمرِ مِن ماضيَّ يتبعني … وَدِدْتُ لو أَنني ما شاء أَتْبَعُهُ
مَنْ أَنْتَ يا مَنْ مِنَ الماضي يخاطبني … وَمِنْ قرارةِ نفسي بِتُّ أسمعه؟
تَظَلُّ تُحي الذي قد مات من عُمُرِي … وما تَشَتَّتَ مِنْ ماضيَّ تَجْمَعُهُ
نعَمْ وِتَحْكِي لقلبي من مآربه … ما كان يَنْشُدُهُ قِدْماً ويُزْمِعُهُ
حديثُك العذبُ مها طال يْؤنِسهُ … وبالزمان الذي قد مَرَّ يولعه
يا رُبَّ عهٍد غضيرِ الحُسن رائِقِه … قد راح وهْو حثيثُ الخطو مسرعه
مرتْ عليه بَنَانُ منك ساحرةُ … فهاج بي الشَّوْقَ مغناه ومربعه
وهام قلبي على آثارِهِ لهِجاً … يَوَدُّ لو أنَّ هذا الدهرَ يُرْجِعُهُ
وَرُبَّ وادٍ بنفسي مُزْهِرٍ نَضِرٍ … صَوَّرْتَهُ فَهْوَ حالِي النبت مُمْرعه
ومنظرٍ مِنْ طُيُوفٍ أنْتَ رَاسِمُهُ … ومِنْ حنينٍ خَفِيّ أنْتَ مُبْدِعه
وصورة لِذُكاءِ وهْيَ غاربةُ … هفاَ لها الكونُ إذْ هَمَّتْ تُوَدِّعه
ومَشْرِقٍ حَيِّتِ الأرْوَاحَ غُرَّتُهُ … ونَبَّهَ الطيرَ والأزهارَ مطلَعُه
هذا ادِّكاريَ: ملءُ القلبِ من صُوَرٍ … مِنَ الطبيعِة تَشْجُوهُ وتُمتُعِه
وسالفاتِ عهودي في مباهجها … يُظِلُّني ثَمَّ ناَدِى الزهر مُونِعُهُ
حُسْنُ الطبيعيةإلُفُ في الفؤادِ له … عهدُ بِقَلْبيَ باقٍ لا أُضَيِّعُهُ
وليس بالقلب ذِكْرُ مِنْ أخي مِقَةٍ … يبقَى بقَلْبي مَدَى الأيام موْضِعُهُ
فَكُلُّ ثَوْبِ وَدَادٍ كنتُ ألْبَسُهُ … يَرَثُّ وَهْوَ جَديدُ ثُمَّ أخْلعُهُ
فكيف أهفو إلى رَثَ ومُنْخَرِق … من العهود وَباَلٍ لستُ أرْقَعُهُ؟
مَنْ رام صافِيَ وُدٍّ غير ذي كدر … ففي الطبيعة للوُرَّادِ مَشْرَعُهُ