ذلك فتلقي نفسك بسوء ظنها في البدعة والمهالك، ولا تتعرض وكن من جملة العبيد، وسلِّم لربوبيته، فلا يكون أبدًا إلا ما يريد، فإذا فعلتَ ذلك أتاك من الله الخير والمزيد، ولو أعطى الحق سبحانه لكل أحدٍ ما طلب لهلكوا، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧)﴾ [الشورى: ٢٧]، وقال الحق سبحانه: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١]. وقد يزوي الإنسان عن مريضه ما يطلبه وإن كان شيئًا يسيرًا مع محبَّتِه له، فما فعل ذلك بخلًا عليه؛ ولكن خوفًا من ضرر يصل إليه.
قال ضرارُ بن ضَمُرة: إنَّ عليًّا ﵁ كان غزير الدمعة طويل الفكرة، يقلب كفه، ويخاطب نفسه، ويعجبه من اللباس ما خَشُن، (ومن الطعام ما جَشُنَ) (¬١)؛ يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل (¬٢) وظلمته، وأشهد بالله لرأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سجوفه (¬٣)، وغارتْ نجومه، وقد مثل في محرابه قابضًا على لحيته، يتمثل تمثل السليب، ويبكي بكاء الحزين، وكأنِّي أسمعه، وهو يقول: يا دنيا، يا دنيا، إليَّ تعرضت أم إليَّ تشوفت؟ هيهاتَ هيهاتَ، غُرِّي غيري، قد طلقتك ثلاثًا، لا رجعة لي فيك، فعُمرك قصير، وعيشك حقير، وخطرك كبير، آهٍ من قِلَّةِ الزاد، وبُعد السفر، ووحشة الطريق. قال الراوي: فذَرَفَتْ عينا معاويةَ على لحيته فَمَا تَمَلَّكَها، وقد اختنق القومُ بالبكاء (¬٤).