وَلْنَتْرُكِ الْكَلَامَ لِأَبِي ذَرٍّ لِيَقُصَّ عَلَيْنَا بِنَفْسِهِ بَقِيَّةَ خَبَرِهِ، قَالَ:
أَقَمْتُ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي مَكَّةَ فَعَلَّمَنِي الْإِسْلَامَ، وَأَقْرَأَنِي شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ قَالَ لِي:
(لَا تُخْبِرْ بِإِسْلَامِكَ أَحَدًا فِي مَكَّةَ، فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ أَنْ يَقْتُلُوكَ).
فَقُلْتُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا أَبْرَحُ مَكَّةَ حَتَّى آتِيَ الْمَسْجِدَ وَأَصْرُخَ بِدَعْوَةِ الْحَقِّ بَيْنَ ظَهْرَانَي (¬١) قُرَيْشٍ؛ فَسَكَتَ الرَّسُولُ ﷺ …
فَجِئْتُ الْمَسْجِدَ وَقُرَيْشٌ جُلُوسٌ يَتَحَدَّثُونَ، فَتَوَسَّطْتُهُمْ، وَنَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
فَمَا كَادَتْ كَلِمَاتِي تُلَامِسُ آذَانَ الْقَوْمِ حَتَّى ذُعِرُوا جَمِيعًا، وَهَبُّوا مِنْ مَجَالِسِهِمْ، وَقَالُوا:
عَلَيْكُمْ بِهَذَا الصَّابِئ (¬٢) … وَقَامُوا إِلَيَّ وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَنِي لِأَمُوتَ، فَأَدْرَكَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمُّ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَكَبَّ عَلَيَّ لِيَحْمِيَنِي مِنْهُمْ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: وَيْلَكُمْ (¬٣)!! … أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا مِنْ "غِفَارٍ"؛ وَمَمَرُّ قَوَافِلِكُمْ عَلَيْهِمْ؟! … فَأَقْلَعُوا (¬٤) عَنِّي.
وَلَمَّا أَفَقْتُ جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا رَأَى مَا بِي قَالَ:
(أَلَمْ أَنْهَكَ عَنْ إِعْلَانِ إِسْلَامِكَ؟).
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَانَتْ حَاجَةً فِي نَفْسِي فَقَضَيْتُهَا.
فَقَالَ: (الْحَقْ بِقَوْمِكَ، وَخَبِّرْهُمْ بِمَا رَأَيْتَ وَمَا سَمِعْتَ، وَادْعُهُمْ إِلَى