مَا بَلَوْهُ؛ فَمَا لَانَتْ لَهُ قَناةٌ (¬١) وَلَا فَتَرَتْ لَهُ حَمَاسَةٌ، وَلَا ضَعُفَ لَهُ إِيمَانٌ …
وَإِنَّمَا زَادَهُ ذَلِكَ اسْتِمْسَاكًا بِدِين اللَّهِ، وَتَعَلُّقًا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَتَفَقُّهًا بِشَرْعِ اللَّهِ، وَإِقْبَالًا عَلَى الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.
* * *
وَقَدْ بَلَغَ مِنْ إِقْبَالِهِ عَلَى النَّبِيِّ الكَرِيم ﷺ وَحِرْصِهِ عَلَى حِفْظِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَتْرُكُ فُرْصَةً إِلَّا اغْتَنَمَهَا، وَلَا سَانِحَةً إِلَّا ابْتَدَرَهَا (¬٢) …
بَلْ كَانَ إِلْحَاحُهُ عَلَى ذَلِكَ يُغْرِيهِ - أَحْيَانًا - بِأَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَهُ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ وَنَصِيبَ غَيْرِهِ …
وَقَدْ كَانَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْفَتْرَةِ كَثِيرَ التَّصَدِّي لِسَادَاتِ قُرَيْشٍ، شَدِيدَ الْحِرْصِ عَلَى إِسْلَامِهِمْ، فَالْتَقَى ذَاتَ يَوْمٍ بِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَأَخِيهِ شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَعَمْرِو بْنِ هِشَامٍ الْمُكَنَّى بِأَبِي جَهْلٍ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ (¬٣) وَالِدِ سَيْفِ اللَّهِ خَالِدٍ، وَطَفِقَ يُفَاوِضُهُمْ وَيُنَاجِيهِمْ وَيَعْرِضُ عَلَيْهِمُ الْإِسْلَامَ، وَهُوَ يَطْمَعُ فِي أَنْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ، أَوْ يَكُفُّوا أَذَاهُمْ عَنْ أَصْحَابِهِ.
* * *
وَفِيمَا هُوَ كَذَلِكَ أَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ يَسْتَقْرِئُهُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، عَلِّمْني مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ.
فَأَعْرَضَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ عَنْهُ، وَعَبَسَ فِي وَجْهِهِ، وَتَوَلَّى نَحْوَ أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنْ قُرَيْشٍ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ أَمَلًا فِي أَنْ يُسْلِمُوا فَيَكُونَ فِي إِسْلَامِهِمْ عِزٌّ لِدِينِ اللهِ، وَتَأْيِيدٌ لِدَعَوَةِ رَسُولِهِ.
وَمَا إِنْ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ حَدِيثَهُ مَعَهُمْ وَفَرَغَ مِنْ نَجْوَاهُمْ، وَهَمَّ أَنْ يَنْقَلِبَ (¬٤) إِلَى أَهْلِهِ حَتَّى أَمْسَكَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَعْضًا مِنْ بَصَرِهِ،