بَالِغَةٍ وَحُجَّةٍ دَامِغَةٍ أَنْ عَادَ مِنْهُمْ عِشْرُونَ أَلْفًا إِلَى صُفُوفِ عَلِيٍّ، وَأَصَرَّ أَرْبَعَةُ آلَافٍ عَلَى خُصُومَتِهِمْ لَهُ عِنَادًا وَإِعْرَاضًا عَنِ الْحَقِّ.
* * *
وَقَدْ سَلَكَ الْفَتَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ إِلَى الْعِلْمِ كُلَّ سَبِيلٍ، وَبَذَلَ مِنْ أَجْلِ تَحْصِيلِهِ كُلَّ جُهْدٍ.
فَقَدْ ظَلَّ يَنْهَلُ (¬١) مِنْ مَعِينِ (¬٢) رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا امْتَدَّتْ بِهِ الْحَيَاةُ، فَلَمَّا لَحِقَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ بِجِوَارِ رَبِّهِ اتَّجَهَ إِلَى الْبَقِيَّةِ الْبَاقِيَةِ مِنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ وَطَفِقَ يَأْخُذُ مِنْهُمْ وَيَتَلَقَّى عَنْهُمْ. حَدَّثَ عَنْ نَفْسِهِ قَالَ:
كَانَ إِذَا بَلَغَنِي الْحَدِيثُ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَتَيْتُ بَابَ بَيْتِهِ فِي وَقْتِ قَيْلُولَتِهِ (¬٣) وَتَوَسَّدْتُ رِدَائِي عِنْدَ عَتَبَةِ دَارِهِ، فَيَسْفِي (¬٤) عَلَيَّ الرِّيحُ مِنَ التُّرَابِ مَا يَسْفِي، وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَسْتَأْذِنَ عَلَيْهِ لأَذِنَ لِي …
وَإِنَّمَا كُنْتُ أَفْعَلُ ذَلِكَ لِأُطَيِّبَ نَفْسَهُ.
فَإِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ رَآنِي عَلَى هَذِهِ الْحَالِ، وَقَالَ:
يَا بْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ، مَا جَاءَ بِكَ؟! … هَلَّا أَرْسَلْتَ إِلَيَّ فَآتِيَكَ؟.
فَأَقُولُ: أَنَا أَحَقُّ بِالْمَجِيءٍ إِلَيْكَ، فَالْعِلْمُ يُؤْتَى وَلَا يَأْتِي، ثُمَّ أَسْأَلُهُ عَنِ الْحَدِيثِ.
* * *
وَكَمَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُذِلُّ نَفْسَهُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ؛ فَقَدْ كَانَ يُعْلِي مِنْ قَدْرِ الْعُلَمَاءِ. فَهَا هُوَ ذَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ (¬٥) كَاتِبُ الْوَحْيَ وَرَأْسُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي الْقَضَاءِ وَالْفِقْهِ وَالْقِرَاءَةِ وَالْفَرَائِضِ (¬٦) يَهِمُّ بِرُكُوبِ دَابَّتِهِ فَيَقِفُ الْفَتَى