وَاخْتَارَتْ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، لِمَا بَدَا لَهَا مِنْ عَلَامَاتِ نَجَابَتِهِ (¬١)، وَمَضَتْ بِهِ.
وَمَا هُوَ إِلَّا قَلِيلٌ حَتَّى تَزَوَّجَتْ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، فَأَرَادَتْ أَنْ تُطْرِفَهُ (¬٢) وَتُهْدِي لَهُ، فَلَمْ تَجِدْ خَيْرًا مِنْ غُلَامِهَا الْأَثِيرِ (¬٣) زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فَأَهْدَتْهُ إِلَيْهِ.
* * *
وَفِيمَا كَانَ الْغُلَامُ الْمَحْظُوظُ يَتَقَلَّبُ في رِعَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَيَحْظَى بِكَرِيم صُحْبَتِهِ، وَيَنْعَمُ بِجَمِيلِ خِلَالِهِ (¬٤).
كَانَتْ أُمُّهُ الْمَفْجُوعَةُ بِفَقْدِهِ لَا تَرْقَأُ (¬٥) لَهَا عَبْرَةٌ، وَلَا تَهْدَأُ لَهَا لَوْعَةٌ، وَلَا يَطْمَئِنُ لَهَا جَنْبٌ …
وَكَانَ يَزِيدُهَا أَسًى عَلَى أَسَاهَا أَنَّهَا لَا تَعْرِفُ أَحَيٌّ هُوَ فَتَرْجُوَهُ أم مَيِّتٌ فَتَيْأَسَ مِنْهُ …
أَمَّا أَبُوهُ فَأَخَذَ يَتَحَرَّاهُ فِي كُلِّ أَرْضٍ، وَيُسَائِلُ عَنْهُ كُلَّ رَكْبٍ، وَيَصُوغُ حَنِينَهُ إِلَيْهِ شِعْرًا حَزِينًا تَتَفَطَّرُ (¬٦) لَهُ الأَكْبَادُ حَيْثُ يَقُولُ:
بَكَيْتُ عَلَى زَيْدٍ وَلَمْ أَدْرِ مَا فَعَلْ … أَحَيٌّ فَيُرْجَى أم أَتَى دُونَهُ الْأَجَلْ؟
فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَإِنِّي لَسَائِلٌ … أَغَالَكَ بَعْدِي السَّهْلُ أم غَالَكَ الْجَبَلْ (¬٧)
تُذَكِّرُنِيهِ الشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِهَا … وَتَعْرِضُ ذِكْرَاهُ إِذَا غَرْبُهَا أَفَلْ (¬٨)
سَأُعْمِلُ نَصَّ الْعِيسِ فِي الْأَرْضِ جَاهِدًا … وَلَا أَسْأَمُ التَّطْوَافَ أَوْ تَسْأَمَ الْإِبِلْ (¬٩)