غَيْرَ أَنَّ طَائِفَةً مِنَ الْمُنَافِقِينَ (¬١) أَخَذُوا يُثَبِّطُونَ (¬٢) الْعَزَائِمَ، وَيُوهِنُونَ (¬٣) الْهِمَمَ، وَيُثِيرُونَ الشُّكُوكَ، وَيَغْمِزُونَ (¬٤) الرَّسُولَ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَيُطْلِقُونَ فِي مَجَالِسِهِمُ الْخَاصَّةِ مِنَ الْكَلِمَاتِ مَا يَدْمَغُهُمْ بِالْكُفْرِ دَمْغًا (¬٥).
* * *
وَفِي يَوْمٍ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ الَّتِي سَبَقَتْ رَحِيلَ الْجَيْشِ، عَادَ الْغُلَامُ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ إِلَى بَيْتِهِ بَعْدَ أَدَاءِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ وَقَدِ امْتَلأَتْ نَفْسُهُ بِطَائِفَةٍ مُشْرِقَةٍ مِنْ صُوَرِ بَذْلِ الْمُسْلِمِينَ وَتَضْحِيَتِهِمْ رَآهَا بِعَيْنَيْهِ، وَسَمِعَهَا بِأُذُنَيْهِ.
فَقَدْ رَأَى نِسَاءَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ يُقْبِلْنَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَيَنْزَعْنَ حُلِيَّهُنَّ وَيُلْقِينَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ لِيُجَهِّزَ بِثَمَنِهِ الْجَيْشَ الْغَازِيَ فِي سَبِيلِ اللهِ.
وَأَبْصَرَ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ (¬٦) يَأْتِي بِجِرَابٍ فِيهِ أَلْفُ دِينَارٍ ذَهَبًا، وَيُقَدِّمُهُ لِلنَّبِيِّ ﵊.
وَشَهِدَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ (¬٧) يَحْمِلُ عَلَى عَاتِقِهِ مِائَتَيْ أُوقِيَّةٍ مِنَ الذَّهَبِ وَيُلْقِيهَا بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ الْكَرِيم ﷺ.
بَلْ إِنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَعْرِضُ فِرَاشَهُ لِلْبَيْعِ؛ لِيَشْتَرِيَ بِثَمَنِهِ سَيْفًا يُقَاتِلُ بِهِ فِي سَبيل الله.
فَأَخَذَ عُمَيْرٌ يَسْتَعِيدُ هَذِهِ الصُّوَرَ الْفَذَّةَ (¬٨) الرَّائِعَةَ، وَيَعْجَبُ مِنْ تَبَاطُؤِ الْجُلاسِ عَنِ الاسْتِعْدَادِ لِلرَّحِيلِ مَعَ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَالتَّأَخُّرِ عَنِ الْبَذْلِ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ قُدْرَتِهِ وَيَسَارِهِ (¬٩).