وَفِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ لِلْهِجْرَةِ غَادَرَا بِلَادَ "الْحَبَشَةِ" مَعَ نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مُتَّجِهِينَ إِلَى "يَثْرِبَ"، فَلَمَّا بَلَغُوهَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَائِدًا لِتَوِّهِ مِنْ "خَيْبَرَ" (¬١)، بَعْدَ أَنْ فَتَحَهَا اللَّهُ لَهُ.
فَفَرِحَ بِلِقَاءِ جَعْفَرٍ فَرَحًا شَدِيدًا حَتَّى قَالَ:
(مَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا أَنَا أَشَدُّ فَرَحًا!! …
أَبِفَتْحِ خَيْبَرَ أم بِقُدُومٍ جَعْفَرٍ؟).
وَلَمْ تَكُنْ فَرْحَةُ الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً وَالْفُقَرَاءِ مِنْهُمْ خَاصَّةٌ بِعَوْدَةِ جَعْفَرٍ بِأَقَلَّ مِنْ فَرْحَةِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.
فَقَدْ كَانَ جَعْفَرٌ شَدِيدَ الْحَدْبِ (¬٢) عَلَى الضُّعَفَاءِ كَثِيرَ الْبِرِّ بِهِمْ، حَتَّى إِنَّهُ كَانَ يُلَقَّبُ "بِأَبِي الْمَسَاكِينِ".
أَخْبَرَ عَنْهُ أَبُو هُرَيْرَةَ (¬٣) فَقَالَ: كَانَ خَيْرَ النَّاسِ لَنَا - مَعْشَرَ الْمَسَاكِينِ - جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَدْ كَانَ يَمْضِي بِنَا إِلَى بَيْتِهِ فَيُطْعِمُنَا مَا يَكُونُ عِنْدَهُ، حَتَّى إِذَا نَفِدَ طَعَامُهُ أَخْرَجَ لَنَا الْعُكَّةَ (¬٤) الَّتِي يُوضَعُ فِيهَا السَّمْنُ وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ، فَنَشُقُّهَا وَنَلْعَقُ مَا عَلِقَ بِدَاخِلِهَا …
* * *
لَمْ يَطُلْ مُكْثُ (¬٥) جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي الْمَدِينَةِ.
فَفِي أَوَائِلِ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ جَهَّزَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ جَيْشًا لِمُنَازَلَةِ الرُّومِ فِي بِلَادِ الشَّامِ، وَأَمَّرَ عَلَى الْجَيْشِ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ (¬٦) وَقَالَ: