لَقَدْ دَعَوْتُمُونَا إِلَى مَا نُحِبُّ وَنَبْغِي، وَلَكِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ مِيثَاقًا عَلَى أَنْ نُسَالِمَهُ وَنَوَادِعَهُ لِقَاءَ أَنْ نَعِيشَ فِي الْمَدِينَةِ آمِنِينَ مُطْمَئِنِّينَ، وَأَنْتُمْ تَدْرُونَ أَنَّ مِدَادَ (¬١) مِيثَاقِنَا مَعَهُ لَمْ يَجِفَّ بَعْدُ …
وَنَحْنُ نَخْشَى إِذَا انْتَصَرَ مُحَمَّدٌ فِي هَذِهِ الْحَرْبِ أَنْ يَبْطِشَ بِنَا بَطْشَةً جَبَّارَةً، وَأَنْ يَسْتَأْصِلَنَا مِنَ الْمَدِينَةِ اسْتِئْصَالًا جَزَاءَ غَدْرِنَا بِهِ …
لَكِنَّ زُعَمَاءَ بَنِي "النُّضَيْرِ" مَا زَالُوا يُغْرُونَهُمْ بِنَقْضِ الْعَهْدِ وَيُزَيِّنُونَ لَهُمُ الْغَدْرَ بِمُحَمَّدٍ، وَيُؤَكِّدُونَ لَهُمْ بِأَنَّ الدَّائِرَة (¬٢) سَتَدُورُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ لَا مَحَالَة (¬٣) … وَيَشُدُّونَ عَزْمَهُمْ بِقُدُومِ الْجَيْشَيْنِ الْكَبِيرَيْنِ.
فَمَا لَبِثَ يَهُودُ بَنِي "قُرَيْظَةَ" أَنْ لَانُوا لَهُمْ وَنَقَضُوا عَهْدَهُمْ مَعَ الرَّسُولِ صلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ …
وَمَزَّقُوا الصَّحِيفَةَ الَّتِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ … وَأَعْلَنُوا انْضِمَامَهُمْ إِلَى الْأَحْزَابِ فِي حَرْبِهِ … فَوَقَعَ الْخَبَرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وُقُوعَ الصَّاعِقَةِ …
* * *
حَاصَرَتْ جُيُوشُ الْأَحْزَابِ الْمَدِينَةَ، وَقَطَعَتْ عَنْ أَهْلِهَا الْمِيرَة (¬٤) وَالْقُوتَ؛ فَعَظُمَ الْكَرْبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَاشْتَدَّ.
وَشَعَرَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ أَنَّهُ وَقَعَ بَيْنَ فَكَّيِ الْعَدُوِّ …
فَقُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ مُعَسْكِرُونَ قُبَالَةَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ خَارِجِ الْمَدِينَةِ …
وَبَنُو "قُرَيْظَةَ" مُتَرَبِّصُونَ مُتَأَهِّبُونَ خَلْفَ الْمُسْلِمِينَ فِي دَاخِلَ الْمَدِينَةِ …
ثُمَّ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَخَذُوا يَكْشِفُونَ عَنْ مُخَبَّآتِ نُفُوسِهِمْ وَيَقُولُونَ: