مُسْرِعًا إِلَى بَيْتِهِ، وَأَسَرَّ (¬١) لِجَارِيَتِهِ بِأَنْ تُخْرِجَ لَهُ فَرَسَهُ فِي غَفْلَةٍ مِنْ أَعْيُنِ النَّاسِ وَأَنْ تَرْتَبِطَهُ لَهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي.
وَأَمَرَ غُلَامَهُ بِأَنْ يُعِدَّ لَهُ سِلَاحَهُ، وَأَنْ يَخْرُجَ بِهِ مِنْ خَلْفِ الْبُيُوتِ حَتَّى لَا يَرَاهُ أَحَدٌ … وَأَنْ يَجْعَلَهُ فِي مَكَانٍ قَرِيبٍ مِنَ الْفَرَسِ …
* * *
لَبِسَ سُرَاقَةُ لَأُمَتَهُ (¬٢)، وَتَقَلَّدَ سِلَاحَهُ، وَامْتَطَى صَهْوَة (¬٣) فَرَسِهِ، وَطَفِقَ يُغذُ (¬٤) السَّيْرَ لِيُدْرِكَ مُحَمَّدًا قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهُ أَحَدٌ سِوَاهُ، وَيَظْفَرَ بِجَائِزَةِ قُرَيْشٍ.
* * *
كَانَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ فَارِسًا مِنْ فُرْسَانِ قَوْمِهِ الْمَعْدُودِينَ، طَوِيلَ الْقَامَةِ، عَظِيمَ الْهَامَةِ، بَصِيرًا بِاقْتِفَاءِ الأَثَرِ، صَبُورًا عَلَى أَهْوَالِ الطُّرْقِ …
وَكَانَ إِلَى ذَلِكَ كُلِّهِ أَرِيبًا لَبِيبًا شَاعِرًا …
وَكَانَتْ فَرَسُهُ مِنْ عِتَاقِ (¬٥) الْخَيْلِ.
* * *
مَضَى سُرَاقَةُ يَطْوِي الْأَرْضَ طَيًّا، لَكِنَّهُ مَا لَبِثَ أَنْ عَثَرَتْ بِهِ فَرَسُهُ وَسَقَطَ عَنْ صَهْوَتِهَا، فَتَشَاءَمَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: مَا هَذَا؟! … تَبًّا (¬٦) لَكِ مِنْ فَرَسٍ، وَعَلَا ظَهْرَهَا غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَمْض بَعِيدًا حَتَّى عَثَرَتْ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى فَازْدَادَ تَشَاؤُمًا، وَهَمَّ بِالرُّجُوعِ؛ فَمَا رَدَّهُ عَنْ هَمِّهِ إِلَّا طَمَعُهُ بِالنُّوقِ الْمِائَةِ.
* * *
لَمْ يَبْتَعِدْ سُرَاقَةُ كَثِيرًا عَنْ مَكَانِ عُثُورِ فَرَسِهِ حَتَّى أَبْصَرَ مُحَمَّدًا وَصَاحِبَيْهِ فَمَدَّ يَدَهُ إِلَى قَوْسِهِ، لَكِنَّ يَدَهُ جَمَدَتْ فِي مَكَانِهَا …