لَمْ يَمْضِ عَلَى لِقَاءِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ بِضْعَةِ أَشْهُرٍ حَتَّى اخْتَارَ اللَّهُ نَبِيَّهُ إِلَى جِوَارِهِ …
فَحَزِنَ عَلَيْهِ سُرَاقَةُ أَشَدَّ الْحُزْنِ، وَجَعَلَ يَتَرَاءَى لَهُ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي هَمَّ فِيهِ بِقَتْلِهِ مِنْ أَجْلِ مِائَةِ نَاقَةٍ، وَكَيْفَ أَنَّ نُوقَ الدُّنْيَا كُلَّهَا قَدْ أَصْبَحَتِ الْيَوْمَ لَا تُسَاوِي عِنْدَهُ قُلَامَةً (¬١) مِنْ ظُفْرِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَجَعَلَ يُرَدِّدُ قَوْلَتَهُ لَهُ: (كَيفَ بِكَ يَا سُرَاقَةُ إِذَا لَبِسْتَ سِوَارَيْ كِسْرَى؟!) دُونَ أَنْ يُخَامِرَهُ شَكٌّ فِي أَنَّهُ سَيَلْبَسُهُمَا.
* * *
ثُمَّ دَارَتِ الْأَيَّامُ دَوْرَتَهَا كَرَّةً أُخْرَى وَآلَ أَمْرُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْفَارُوقِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
وَهَبَّتْ جُيُوشُ الْمُسْلِمِينَ فِي عَهْدِهِ الْمُبَارَكِ عَلَى مَمْلَكَةِ فَارِسَ كَمَا يَهُبُّ الْإِعْصَارُ …
فَطَفِقَتْ تَدُكُّ الْحُصُونَ، وَتَهْزِمُ الْجُيُوشَ، وَتَهُزُ الْعُرُوشَ، وَتُحْرِزُ الْغَنَائِمَ حَتَّى أَدَالَ (¬٢) اللَّهُ عَلَى يَدَيْهَا دَوْلَةَ الأَكَاسِرَةِ …
وَفِي ذَاتِ يَوْمٍ مِنْ أَوَاخِرِ أَيَّامٍ خِلَافَةِ عُمَرَ، قَدِمَ عَلَى الْمَدِينَةِ رُسُلُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ (¬٣) يُبَشِّرُونَ خَلِيفَةَ الْمُسْلِمِينَ بِالْفَتْحِ …
وَيَحْمِلُونَ إِلَى بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ خُمُسَ الْفَيْءِ الَّذِي غَيْمَهُ الْغُزَاةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
فَلَمَّا وُضِعَتِ الْغَنَائِمُ بَيْنَ يَدَيْ عُمَرَ؛ نَظَرَ إِلَيْهَا فِي دَهْشَةٍ …