عَمَّا يَتَلَجْلَجُ (¬١) فِي صُدُورِهِمْ مِنَ الْأَمَانِيِّ وَالْآمَالِ، ثُمَّ يَأْتُوهُ بِهَا سِرًّا.
فَكَانَ يُوَاجِهُ كُلَّ ذِي حَاجَةٍ بِحَاجَتِهِ، وَيَبْدَأُ كُلَّ صَاحِبِ مُشْكِلَةٍ بِمُشْكِلَتِهِ، وَيَأْتِي لِأَنْبَاعِهِ مِنَ الْعَجَائِبِ وَالْغَرَائِبِ مَا يُذْهِلُ عُقُولَهُمْ وَيُحَيِّرُ أَفْهَامَهُمْ … حَتَّى غَلُظَ (¬٢) أَمْرُهُ، وَاسْتَطَارَتْ (¬٣) دَعْوَتُهُ كَمَا تَسْتَطِيرُ النَّارُ الْمُسْتَعِرَةُ فِي الْهَشِيمِ الْيَابِسِ.
* * *
مَا كَادَتْ تَبْلُغُ النَّبِيِّ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَنْبَاءُ رِدَّةِ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ وَوُثُوبِهِ عَلَى "الْيَمَنِ"؛ حَتَّى سَيَّرَ نَحْوَ عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ بِرَسَائِلَ إِلَى مَنْ يَتَوَسَّمُ (¬٤) فِيهِمُ الْخَيْرَ مِنْ أَصْحَابِ السَّابِقَةِ (¬٥) فِي "الْيَمَنِ" يَحُضُّهُمْ فِيهَا عَلَى مُوَاجَهَةِ هَذِهِ الْفِتْنَةِ الْعَمْيَاءِ بِالْإِيمَانِ وَالْحَزْمِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالتَّخَلُّصِ مِنَ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ بِأَيِّ وَسِيلَةٍ …
فَمَا مِنْ أَحَدٍ بَلَغَتْهُ رِسَالَةُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا لَبَّى دَعْوَتَهُ، وَهَبْ لِإِنْفَاذِ أَمْرِهِ.
وَكَانَ أَسْبَقَ النَّاسِ اسْتِجَابَةً لِنِدَائِهِ بَطَلُ قِصَّتِنَا فَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ "الْأَبْنَاءِ".
فَلْنَتْرُكِ الْكَلَامَ لَهُ لِيَرْوِيَ لَنَا قِصَّتَهُ الْفَذَّةَ الرَّائِعَةَ … قَالَ فَيْرُوزُ:
لَمْ نَرْتَبْ (¬٦) أَنَا وَمَنْ مَعِي مِنَ "الْأَبْناءِ"، لَحْظَةً فِي دِينِ اللهِ، وَلَا وَقَعَ فِي قَلْبِ أَيٍّ مِنَّا تَصْدِيقٌ لِعَدُوِّ اللَّهِ.