لَمْ يَمْضِ زَمَنٌ طَوِيلٌ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى فَاضَتِ الْخَيْرَاتُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَتَدَفَّقَتْ عَلَيْهِمْ غَنَائِمُ الْفَتْحِ؛ فَصَارَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ مَالٌ، وَمَنْزِلٌ وَمَتَاعٌ، وَزَوْجٌ وَوَلَدٌ …
غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَمْ يُغَيِّرُ مِنْ نَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ شَيْئًا، وَلَمْ يُنْسِهِ أَيَّامَهُ الْخَالِيَةَ، فَكَثِيرًا مَا كَانَ يَقُولُ:
نَشَأْتُ يَتِيمًا، وَهَاجَرْتُ مِسْكِينًا، وَكُنْتُ أَجِيرًا "لِبُسْرَةَ بِنْتِ غَزْوَانَ" بِطَعَام بَطْنِي، فَكُنْتُ أَخْدِمُ الْقَوْمَ إِذَا نَزَلُوا، وَأَحْدُو (¬١) لَهُمْ إِذَا رَكِبُوا؛ فَزَوَّجَنِيهَا اللَّهُ (¬٢) …
فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الدِّينَ قِوَامًا (¬٣) وَصَيَّرَ أَبَا هُرَيْرَةَ إِمَامًا (¬٤).
* * *
وَقَدْ وَلِيَ أَبُو هُرَيْرَةَ الْمَدِينَةَ مِنْ قِبَلِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، فَلَمْ تُبَدِّلِ الْوِلَايَةُ مِنْ سَمَاحَةِ طَبْعِهِ، وَخِفَّةِ ظِلِّهِ (¬٥) شَيْئًا ..
فَقَدْ مَرَّ بِأَحَدٍ طُرُقِ الْمَدِينَةِ - وَهُوَ وَالٍ عَلَيْهَا - وَكَانَ يَحْمِلُ الْحَطَبَ عَلَى ظَهْرِهِ لِأَهْلِ بَيْتِهِ، فَمَرَّ بِثَعْلَبَةَ بْنِ مَالِكٍ … فَقَالَ لَهُ:
أَوْسِع الطَّرِيقَ لِلْأَمِيرِ يَا بْنَ مَالِكِ … فَقَالَ لَهُ:
يَرْحَمُكَ اللَّهُ أَمَا يَكْفِيكَ هَذَا الْمَجَالُ كُلُّهُ؟! … فَقَالَ لَهُ:
أَوْسِعِ الطَّرِيقَ لِلْأَمِيرِ، وَلِلْحُزْمَةِ الَّتِي عَلَى ظَهْرِهِ.
* * *