مَا كَادُوا يَتَوَغَّلُونَ (¬١) قَلِيلًا فِي أَرْضِ "الْأَهْوَازِ" حَتَّى دَخَلُوا فِي صِرَاعٍ مَرِيرٍ مَعَ طَبِيعَتِهَا الْقَاسِيَةِ.
فَقَدْ طَفِقَ الْجَيْشُ يُعَانِي مِنْ جِبَالِهَا النَّخِرَةِ وَهُوَ مُصْعِدٌ (¬٢)، وَيُكَابِدُ مِنْ مُسْتَنْقَعَاتِهَا الْمَوْبُوءَةِ وَهُوَ مُسْهِلٌ (¬٣).
وَيُصَارِعُ أَفَاعِيَهَا الْقَاتِلَةَ وَعَقَارِبَهَا السَّامَّةَ يَقْظَانَ نَائِمًا.
لَكِنَّ رُوحَ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسِ الْمُؤْمِنَةَ الشَّفَّافَةَ كَانَتْ تُرَفْرِفُ بِأَجْنِحَتِهَا فَوْقَ جُنْدِهِ؛ فَإِذَا الْعَذَابُ عَذْبٌ، وَإِذَا الْحَزْنُ (¬٤) سَهْلٌ.
فَلَقَدْ كَانَ يَتَخَوَّلُهُمْ (¬٥) بِالْمَوْعِظَةِ الَّتِي تَهُزُّ نُفُوسَهُمْ هَزًّا.
وَيُتْرِعُ (¬٦) لَيَالِيَهُمْ بِأَرَجِ الْقُرْآنِ (¬٧) …
فَإِذَا هُمْ مَغْمُورُونَ بِضِيَائِه …
سَابِحُونَ فِي لأَلَائِهِ …
نَاسُونَ مَا مَسَّهُمْ مِنْ عَنَاءٍ وَنَصَبٍ …
* * *
امْتَثَلَ سَلَمَةُ بْنُ قَيْسٍ لِأَمْرِ خَلِيفَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَمَا إِنِ الْتَقَى بِأَهْلِ "الْأَهْوَازِ" حَتَّى عَرَضَ عَلَيْهِمُ الدُّخُولَ فِي دِينِ اللَّهِ، فَأَعْرَضُوا وَنَفَرُوا …
فَدَعَاهُمْ إِلَى إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ، فَأَبَوْا وَاسْتَكْبَرُوا …
فَلَمْ يَبْقَ أَمَامَ الْمُسْلِمِينَ غَيْرُ رُكُوبِ الْأَسِنَّةِ (¬٨)، فَرَكِبُوهَا مُجَاهِدِينَ فِي سَبِيل اللَّهِ، رَاغِبِينَ بِمَا عِنْدَهُ مِنْ حُسْنِ الثَّوَابِ …
* * *