قَفَل (¬١) الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيُّ رَاجِعًا إِلَى دِيَارِ قَوْمِهِ، وَصُورَةُ النَّبِيِّ ﷺ لَا تُفَارِقُ مُخَيِّلَتَهُ، وَرَنِينُ كَلِمَاتِهِ لَا يُبَارِحُ (¬٢) أُذُنَيْهِ …
وَظَلَّ يَتَتَبَّعُ أَخْبَارَهُ، وَيَتَذَكَّرُ قَوْلَتَهُ: (أَرَأَيْتُمْ إِنْ لَمْ تَلْبَثُوا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى يَمْنَحَكُمُ اللهُ بِلَادَ فَارِسَ وَأَمْوَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ). ثُمَّ يَقُولُ فِي نَفْسِهِ:
مَا الَّذِي جَعَلَنِي أَقْبِضُ يَدِي عَنْ يَبْعَةِ مُحَمَّدٍ، وَقَدْ أَيَقَنْتُ بِصِدْقِهِ وَصِحَّةِ دَعْوَتِهِ؟!
* * *
وفي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ؛ أَذِنَ اللهُ لِلْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيِّ بِأَنْ يَتَشَرَّفَ بِالِانْضِمَامِ إِلَى كَتَائِبِ الْإِيمَانِ …
فَوَفَدَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ فِي جُمُوعِ غَفِيرَةٍ (¬٣) مِنْ بَنِي شَيْبَانَ، وَأَعْلَنَ إِسْلَامَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَبَايَعَهُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ.
* * *
لَكِنَّ النَّبِيَّ ﵇ لَمْ يَلْبَثْ إِلَّا قَلِيلًا، حَتَّى لَحِقَ بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى، وَطَفِقَ الْعَرَبُ يَخْرُجُونَ مِنْ دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا كَمَا دَخَلُوا فِيهِ أَفْوَاجًا؛ فَتَصَدَّى لَهُمُ الصِّدِّيقُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ …
وَرَمَاهُمْ بِمَنْ بَقِيَ مَعَهُ مُسْتَمْسِكًا بدِينِهِ.
وَكَانَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيُّ وَقَوْمُهُ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَأْسًا عَلَى الْمُرْتَدِّينَ، وَأَعْظَمِهِمْ أَثَرًا فِي الْقَضَاءِ عَلَى تِلْكَ الْفِتْنَةِ الْمُدَمِّرَةِ الْعَمْيَاءِ.