الكتاب الثاني عشر
زَيْدُ بْنُ سُعْنَةَ
"اعْتَنَقَ ابْنُ سُعْنَةَ الْإِسْلَامَ بَعْدَ تَأَمُّلٍ وَتَتَبُّعٍ لِأَخْبَارِ الرَّسُولِ الكَرِيمِ ﷺ".
جَلَسَ زَيْدُ بْنُ سُعْنَةَ مَعَ طَائِفَةٍ مِنْ كِبَارِ أَحْبَارِ (¬١) الْيَهُودِ؛ يَسْتَمِعُونَ إِلَى حَدِيثِ حَبْرٍ مِنْ عُظَمَاءِ أَحْبَارِهِمْ؛ يُقَالُ لَهُ ابْنُ الْهَيَّبَانِ.
وَكَانَ ابْنُ الْهَيَّبَانِ هَذَا؛ قَدْ وَفَدَ عَلَيْهِمْ مِنْ دِيَارِ الشَّامِ، وَعَزَمَ عَلَى الْإِقَامَةِ عِنْدَهُمْ فِي يَثْرِبَ.
فَأُخِذَ زَيْدُ بْنُ سُعْنَةَ بِرَوْعَةِ حَدِيثِ الْحَبْرِ، وَصِدْقِ لَهْجَتِهِ، وَحَرَارَةِ إيمَانِهِ، وَسَعَةِ اطِّلَاعِهِ عَلَى التَّوْرَاةِ (¬٢).
لَكِنَّهُ كَانَ وَهْوَ يُصْغِي إِلَيْهِ؛ يُسَائِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْأَسْبَابِ الَّتِي جَعَلَتْ هَذَا الْحَبْرَ يَهْجُرُ بِلَادَ الْجَنَّاتِ الْمَعْرُوشَةِ (¬٣)، وَالظِّلَالِ الْوَارِفَةِ (¬٤)، وَالْمِيَاهِ الْمُتَدَفِّقَة …
وَدَفَعَتْهُ إِلَى قَطْعِ الْمَسَافَاتِ الْبَعِيدَةَ؛ لِيَقْضِيَ بَقِيَّةَ حَيَاتِهِ فِي يَثْرِبَ …
نَائِيًا عَنِ الْأَهْلِ وَالْوَطَنِ؛ بَعِيدًا عَنِ الْعَشِيرِ (¬٥) وَالسَّكَنِ.
* * *
فَمَا إِنِ انْتَهَى ابْنُ الْهَيَّبَانِ مِنْ كَلَامِهِ؛ حَتَّى بَادَرَهُ زَيْدُ بْنُ سُعْنَةَ قَائِلًا: