وَفِي يَوْم "أُحُدٍ" حِينَ هُزِمَ الْمُسْلِمُونَ وَطَفِقَ صَائِحُ الْمُشْرِكِينَ يُنَادِي:
دُلُّونِي عَلَى مُحَمَّدٍ … دُلُّونِي عَلَى مُحَمَّدٍ … كَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَحَدَ النَّفَرِ (¬١) الْعَشَرَةَ الَّذِينَ أَحَاطُوا بِالرَّسُولِ ﷺ لِيَذُودُوا (¬٢) عَنْهُ بِصُدُورِهِمْ رِمَاحَ الْمُشْرِكِينَ.
فَلَمَّا انْتَهَتِ الْمَعْرَكَةُ كَانَ الرَّسُولُ ﷺ قَدْ كُسِرَتْ رُبَاعِيَّتُهُ (¬٣) وَشُجَّ جَبِينُهُ، وَغَارَتْ فِي وَجْنَتِهِ حَلْقَتَانِ مِنْ حَلَقِ دِرْعِهِ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ الصِّدِّيقُ يُرِيدُ انْتِزَاعَهُمَا مِنْ وَجْنَتِهِ فَقَالَ لَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ:
أُقْسِمُ عَلَيْكَ أَنْ تَتْرُكَ ذَلِكَ لِي، فَتَرَكَهُ، فَخَشِيَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِنِ اقْتَلَعَهُمَا بِيَدِهِ أَنْ يُؤْلِمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَعَضَّ عَلَى أُولَاهُمَا بِثَنِيَّتِهِ (¬٤) عَضًا قَوِيًّا مُحْكَمًا فَاسْتَخْرَجَهَا وَوَقَعَتْ ثَنِيَّتُهُ …
ثُمَّ عَضَّ عَلَى الْأُخْرَى بِثَنيَّتِهِ الثَّانِيَةِ فَاقْتَلَعَهَا فَسَقَطَتْ ثَنِيَّتُهُ الثَّانِيَةُ …
قَالَ أَبُو بَكْر: "فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ هَتَمًا (¬٥) ".
* * *
لَقَدْ شَهِدَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مُنْذُ صَحِبَهُ إِلَى أَنْ وَافَاهُ الْيَقِينُ (¬٦).
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ السَّقِيفَةِ (¬٧)، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِأَبِي عُبَيْدَةَ:
ابْسُطْ يَدَكَ أُبَايِعْكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:
(إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا، وَأَنْتَ أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ).