فَلَقَدْ فَرَّ مُصْعَبٌ بِدِينِهِ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَخَلَّفَ وَرَاءَهُ مَرَاتِعَ (¬١) الطُّفُولَةِ وَمَغَانِيَ الشَّبَابِ، وَعِزَّةَ النَّسبِ …
وَاسْتَبْدَلَ بِذَلِكَ كُلِّهِ؛ بُعْدَ الدَّارِ وَوَحْشَةَ الْغُرْبَةِ، وَضَنْكَ الْفَقْرِ.
وَلَكِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ كَانَ قَلِيلًا هَيِّنًا عِنْدَهُ؛ فِي جَنْبِ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَمَرْضَاةِ رَسُولِهِ ﷺ.
وَلَمَّا عَادَ مُصْعَبٌ مِنْ هِجْرَتِهِ الْأُولَى؛ أَنْكَرَهُ (¬٢) النَّاسُ؛ حَتَّى كَادُوا لَا يَعْرِفُونَهُ … فَالْفَتَى الطَّرِيرُ (¬٣) النَّضِيرُ؛ قَدْ مَسَّهُ الضُّرُّ …
فَرَثَّتْ ثِيَابُهُ؛ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ زَاهِيَةً …
وَخَشُنَ جِلْدُهُ؛ بَعْدَ أَنْ كَانَ غَضًّا بَضًّا …
وَتَخَدَّدَ (¬٤) وَجْهُهُ؛ بَعْدَ أَنْ كَانَ أَسِيلًا (¬٥) مُشْرِقًا.
لَقَدْ رَآهُ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ مُقْبِلًا وَعَلَيْهِ جِلْدُ كَبْشٍ (¬٦) مُمَزَّقٌ؛ قَدْ تَمَنْطَقَ بِهِ؛ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ:
(انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْفَتَى الَّذِي قَدْ نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ …
لَقَدْ رَأَيْتُهُ بَيْنَ أَبَوَيْنِ يَغْذُوَانِهِ بِأَطْيَبِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ …
فَدَعَاهُ حُبُّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى مَا تَرَوْنَ).
* * *