بقبرين بينهما مسجد، فقلت: ما هذان القبران؟ فقال: هذان قبرا أخوين كانا لي يعبدان الله في هذا الموضع، فأنا أعبد الله بينهما حتى ألحق بهما، فقلت: ألا تلحق بقومك فتكون معهم في خيرهم وتباينهم على شرهم؟ فقال لي: ثكلتك أمك، أو ما علمت أن ولد إسماعيل تركب دين أبيها، واتبعت الأضداد، وعظمت الأنداد، ثم تركني وأقبل على القبرين يبكي، ويقول:
خليلي هبا طالما قد رقدتما … أما لكما لا تقضيان كراكما
أجد كما لا تريان لموجع … مقيم على قبريكما قد رثاكما
جرى النوم بين الجلد والعظم منكما … كأن الذي يسقي العقار (¬١) سقاكما
أما ترحماني أنني صرت مفردا … وإني لمشتاق إلى أن أراكما
ألم تعلما أني بسمعان (¬٢) مفرد … وما لي بسمعان حبيب سواكما
أناديكما بالجهر مني صبابة … فما تسمعان الصوت ممن دعاكما
فإن كنتما لا تسمعان فما الذي … خليلي عن سمع الدعاء عداكما
أجيبا فلن أنفك أبكي عليكما … وما ذا على ذي عبرة إن بكاكما
فلو جعلت نفس لنفس فداؤها … لجدت بنفسي أن تكون فداكما
فقال النبي ﷺ: «رحم الله قسا، أما إنه يبعث يوم القيامة أمة وحده» (¬٣).