أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاء" (¬١).
والذي يظهر بعد استقراء أقول أهل العلم في هذه المسألة، أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من حكم النبي في العرنيين ثابت، وليس بمنسوخ، وذلك من أوجه:
الأول: أن فعل النبي ﷺ بهم من سمل الأعين كان قصاصا لأنهم فعلوا بالرعاة مثل ذلك كما تقدم من قول أنس بن مالك ﵁، والجزاء من جنس العمل، ولعموم قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾ الآية، ولقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [سورة البقرة:] (¬٢).
قال أبو جعفر النحاس: " وهذا من أحسن حديث يروى في هذا الباب - يعني حديث أنس- وأغربه وأصحه وفيه حجة للشافعي في القصاص" (¬٣).
الثاني: تطرق الاحتمال والاختلاف في سبب نزول الآية، فقد ذكر البغوي وغيره لنزول الآية قصة غير قصة العرنيين (¬٤)، والقاعدة أنه إذا اختلفت الأقوال في سبب نزول الآية وتطرق إليها الاحتمال فلا نسخ (¬٥).
الثالث: أن القول بنسخ الآية لفعل النبي ﷺ مبني على الظن، وليس على يقين مقطوع بصحته، فآية الحرابة نزلت ابتداء حكم، كسائر القرآن في نزوله شيئا بعد شيء، أو تصويبا لفعله ﵇ بهم؛ لأن الآية موافقة لفعله - ﵇ - في قطع أيديهم وأرجلهم، وزائدة على ذلك تخييرا في القتل، أو الصلب، أو النفي - وكان ما زاده رسول الله ﷺ على القطع من السمل، وتركهم لم يحسمهم حتى ماتوا قصاصا بما فعلوا بالرعاء: