أقوى وأغلب من الآخر فيترجح ظنٌّ على ظنٍّ (¬١)؛ وما وضع «كتاب الترجيح» إلَّا لهذا؛ فإن كان الظَّنِّيُّ الموجود في العموم أغلب: عُمل به؛ وإن كان الظَّنُّ المستفاد من القياس أغلب: عُمل به؛ ليس كالعلمين إذا حصلا لا يتضادان؛ لأنَّ اليقين ليس وراءه درجة أصلا يترقى إليها.
أما ما يتعلق بما ذكره بعض العلماء من الفرق بين القياس الجلي والخفي:
قال الشيخ (¬٢): ليس هذا بقياس؛ لأنَّه مقطوع به، والقياس ما كان في رتبة الظَّنِّ، وهذا ليس في مقام الظَّنِّ، وإنَّما هو المنصوص عليه.
أما القاضي قال: «هذا الذي قالوه إنَّه قياس جلي: جهل من هؤلاء المدعين، بل هذا أمر يكاد يُعرف قطعاً من فحوى قوله صلى الله عليه».
[فقد] تبيَّن سفه رأي أصحاب داود ومن وافقهم على قولهم حيث قالوا: إنَّ قول رسول الله صلى الله عليه: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثُمَّ يغتسل به» (¬٣) يُحمل على ظاهره في أنَّ الإنسان لو بال في كوز، ثُمَّ صبَّ ذلك في الماء، جاز أن يغتسل به فيه؛ أو تغوط فيه: حلَّ له أن يتطهر به؛ ومن قال مثل ذلك لا يُكَالَمُ.