وَذَمَّتْهُ، فَلَا هُمْ مُمْتَثِلُونَ لِأَمْرِ الشَّرْعِ فِي ذَلِكَ، وَلَا هُمْ يَرْجِعُونَ لِمُقْتَضَى الْعَقْلِ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ يَأْبَى ذَلِكَ أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ.
الْوَجْهُ السَّابِعُ: مَا حَرَمَهُمْ الشَّيْطَانُ مِنْ بَرَكَةِ الدَّفْنِ وَمَا فِيهِ مِنْ السَّتْرِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَدْفُونَ إذَا خَرَجَتْ مِنْهُ الْفَضَلَاتُ شَرِبَتْهَا الْأَرْضُ فَيَبْقَى نَظِيفًا فِي قَبْرِهِ، وَمَنْ وُضِعَ فِي الْفَسْقِيَّةِ يَنْمَاعُ فِي النَّجَاسَاتِ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْهُ وَتَتَحَلَّلُ مِنْ جَسَدِهِ.
الْوَجْهُ الثَّامِنُ: أَنَّ إدْخَالَهُ فِي الْفَسْقِيَّةِ فِيهِ مَا فِيهِ مِنْ الْفَخْرِ وَالْكِبْرِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ مَا يَفْعَلُهُ إلَّا الْمُتَكَبِّرُونَ، وَالْمَوْضِعُ مَوْضِعُ ذُلٍّ وَافْتِقَارٍ وَاضْطِرَارٍ وَإِظْهَارِ مَسْكَنَةٍ وَاحْتِيَاجٍ لَا إظْهَارِ الْعِزِّ وَالْكِبْرِ.
الْوَجْهُ التَّاسِعُ: مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ تَبْلِيطِ الْفَسْقِيَّةِ، وَذَلِكَ فِي حَالِ الْحَيَاةِ لَا يَنْبَغِي فَمَا بَالُك بِهِ بَعْدَ الْمَمَاتِ إذْ أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِنْ الدُّنْيَا وَلَمْ يَبْنِ لَبِنَةً عَلَى لَبِنَةٍ، فَأَقَلُّ مَا يُمْكِنُ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ أَنْ يَمْتَثِلَ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ.
الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: مَا زَادَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ تَبْيِيضِ دَاخِلِ الْفَسْقِيَّةِ حَتَّى تَبْقَى كَالْبُيُوتِ الَّتِي يَتَفَاخَرُ بِهَا أَبْنَاءُ الدُّنْيَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي حَالِ الْحَيَاةِ. وَكَذَلِكَ يُمْنَعُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي التَّبْلِيطِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ بَلْ هَذَا أَشَدُّ.
الْوَجْهُ الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنَّ مَا يَفْعَلُونَهُ سَبَبٌ لِانْبِعَاثِ الْحَشَرَاتِ وَالنَّجَاسَاتِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَنْمَاعُ فِي قَبْرِهِ فَتَكْثُرُ الرَّوَائِحُ لِعَدَمِ التُّرَابِ، وَالْحَشَرَاتُ تَتْبَعُ الرَّوَائِحَ حَيْثُ كَانَتْ، وَكَذَلِكَ الْكِلَابُ وَالسِّبَاعُ وَالذِّئَابُ، وَذَلِكَ بِخِلَافِ الْقَبْرِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ يَشْرَبُ الْفَضَلَاتِ مِنْ الْمَيِّتِ.