بِهِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ مَا التَزَمَ التَّسْلِيمَ إِلَّا مَرَّة. قال: (وَإِذَا كَفَلَ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَهُ فِي مَجْلِسِ القَاضِي فَسَلَّمَهُ فِي السُّوقِ بَرِئَ) لِحُصُولِ المَقصُودِ، وَقِيلَ فِي زَمَانِنَا: لَا يَبْرَأُ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ المُعَاوَنَةُ عَلَى الامْتِنَاعِ لَا عَلَى الإِحْضَارِ فَكَانَ التَّقْبِيدُ مُفِيدًا (وَإِنْ سَلَّمَهُ فِي بَرِّيَّة لَم يَبْرَأ) لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى المُخَاصَمَةِ فِيهَا فَلَم يَحصُل المَقْصُودُ، وَكَذَا إِذَا سَلَّمَهُ فِي سَوَاد لِعَدَمِ قَاضِ يَفْصِلُ الحُكمَ فِيهِ، وَلَو سَلَّمَ فِي مِصر آخَرَ غَيرِ المِصْرِ الَّذِي كَفَلَ فِيهِ، بَرِئَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِلقُدرَةِ عَلَى المُخَاصَمَةِ فِيهِ. وَعِندَهُمَا: لَا يَبرَأُ (*)، لِأَنَّهُ قَدْ تَكُونُ شُهُودُهُ فِيمَا عَيَّنَهُ.
تسليمه قبل الأجل ضرر، مثل ألا يكون يوم مجلس الحكم، أو دين مؤجل لا يكون تسليمًا، وإلا يكون تسليمًا.
قوله: (وفي زماننا لا يبرأ) قال مشايخنا المتأخرون: هذا الجواب على عادتهم في ذلك الزمان؛ لغلبة المعاونة على الحق، أما في زماننا فأكثر الناس يعينون على الامتناع من الحضور لغلبة أهل الفسق والفساد فلا يبرأ، وقالت الأئمة الثلاثة (¬١): إذا عيّن مكانًا، وفي تسليمه في غيره ضرر يتعين ذلك المكان.
قوله: (وعندهما لا يبرأ) (¬٢) وبه قالت الأئمة الثلاثة (¬٣)، وعن بعض أصحاب أحمد (¬٤) مثل قول أبي حنيفة.
وقيل: هذا اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حُجّة وبرهان، فأبو حنيفة في القرن الثالث والغلبة لأهل الصلاح، والقضاة لا يرغبون في الميل إلى الرشوة، وعامل كل مصر ينقاد لأمر الخليفة، فلا يقع التفاوت بين مصر ومصر، وتغير الحال في زمنهما، وظهر الفساد والميل من القضاة إلى الرشوة، وعامل كل مصر لا ينقاد لأمر الخليفة فيُفيد التقييد ولهما ما ذكر في الكتاب.