قَالَ: (وَلَا يَقْبَلُ هَدِيَّةً إِلَّا مِنْ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ، أَوْ مِمَّنْ جَرَتْ عَادَتُهُ قَبْلَ القَضَاءِ بِمُهَادَاتِهِ) لِأَنَّ الأَوَّلَ: صِلَةُ الرَّحِمِ، وَالثَّانِيَ: لَيْسَ لِلْقَضَاءِ، بَلْ جَرَى عَلَى العَادَةِ، وَفِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ يَصِيرُ آكِلًا بِقَضَائِهِ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ لِلْقَرِيبِ خُصُومَةٌ لَا يَقْبَلُ هَدِيَّتَهُ، وَكَذَا إِذَا زَادَ المُهْدِي عَلَى المُعْتَادِ، أَوْ كَانَتْ لَهُ خُصُومَةٌ، لِأَنَّهُ لِأَجْلِ القَضَاءِ فَيَتَحَامَاهُ.
ويستحب أن يحضر مجلسه جماعة من الفقهاء ويشاورهم؛ لما روي أن الخلفاء الراشدين كانوا يُحضرون عبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت، وأبو بكر يُحضر عمر وعثمان وعليا أيضًا، حتى قال أحمد: يحضر مجلسه الفقهاء من أهل كل مذهب، ويشاورهم فيما يشكل عليه.
قوله: (فيتحاماه) أي: يتحرز، ولا خلاف لأهل العلم فيه.
وفي المبسوط (¬١): الهدية في الشرع مندوب، قال ﵇: «نِعْمَ الشَّيْءُ الْهَدِيَّةُ إِذَا دَخَلَتْ الْبَابَ ضَحِكَتْ الْأَسْكُفَّةُ» (¬٢) وقال ﵇: «الْهَدِيَّةُ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ» (¬٣)، أي: غَشَّه، والوعد يوقظ الغيظ في الصدر، وقال ﵇: «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» (¬٤) ولكن هذا في حق من لم يتعيّن لعمل من أعمال المسلمين، فأما من يتعين لذلك، كالقاضي والوالي، فعليه التحرز عن قبول الهدية، خصوصًا ممن كان لا يهدي قبل ذلك؛ إذ هو نوع من الرشوة والسحتُ.