أَمَّا العَدَالَةُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وَلِأَنَّ العَدَالَةَ هِيَ المُعِينَةُ لِلصِّدْقِ، لِأَنَّ مَنْ يَتَعَاطَى غَيْرَ الكَذِبِ قَدْ يَتَعَاطَاهُ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّ الفَاسِقَ إِذَا كَانَ وَجِيهَا فِي النَّاسِ ذَا مُرُوءَةٍ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ (*)، لِأَنَّهُ لَا يُسْتَأْجَرُ لِوَجَاهَتِهِ وَيَمْتَنِعُ عَنْ الكَذِبِ لِمُرُوعَتِهِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُ، إِلَّا أَنَّ القَاضِيَ لَوْ قَضَى بِشَهَادَةِ الفَاسِقِ يَصِحُ عِنْدَنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَصِحُ،
وفي المبسوط (¬١): العدالة: الاستقامة، لا نهاية لكمالها، وإنما يعتبر فيها القدر الممكن، وهو انزجاره عما يعتقده حرامًا في دينه.
وفي الذخيرة (¬٢): وأحسن ما قيل في تفسيرها ما نقل عن أبي يوسف، وهو أن يكون مجتنبًا عن الكبائر، ولا يكون مصرًا على الصغائر، ويكون صلاحه أكبر من فساده، وصوابه أكثر من خطئه، ويجيء تفسير الكبيرة إن شاء الله تعالى.
قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] والمرضي هو العدل لا الفاسق، والتعاطي: التناول.
قوله: (والأول أصح) وهو عدم قبول شهادة الفاسق مطلقًا، سواء كان ذا وجاهة أو لا؛ لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: ١] وقوله: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَا﴾ [الحجرات: ٦]، ولأن قبول الشهادة والعمل لها إكرام الشاهد، قال ﵇: «أَكْرِمُوا الشُّهود» الحديث (¬٣)، وفي حق الفاسق أمرنا بخلاف ذلك، قال ﵇: «إِذَا لَقِيتَ الفَاسِقَ فَالْقَهُ بِوَجْهِ مُكْفَهِرٌ»، أي: شديد العبوسة، ولا مروءة لمن يكون معلنا بالفسق شرعًا. كذا في المبسوط (¬٤).