مَقْصُودِينَ مِنْ آفاقِ الأرْضِ، قُلْ أنْ يَبْقَى مُجِيدٌ في صَنْعَةٍ مِنَ الصَّنائِعِ إِلَّا وَيَصْنَعَ شَيْئًا على اسمهِ، ويُجِيدَ فيهِ بِحَسَبِ الطاقَةِ، ثُمَّ يُجَهِّزَهُ إِليهِ أوْ يَقْصِدَهُ بِهِ وَيُقَدِّمَهُ إِليهِ مِنْ يَدِهِ، فيَقْبَلَ عَلَيْهِ وَيَتَقَبَّلَ مِنْهُ، ويُحْسِنَ نُزْلَهُ، ويُسْنَى جائِزتَهُ، ثُمَّ إِنْ أَقامَ في بابِهِ، أقَامَ مُكْرَمًا مُحْتَرَمًا، أوْ عَادَ مَحْبُوبًا مَجْبُورًا. ولَهُمَا وَلَعٌ بِحُبِّ الغُرَباءِ وكَرَمٍ مُتَّسِعٍ في الحَياءِ يَجْزِلونَ مِنْ نَعْمِهِمُ العَطايا، ويُثْقِلُونَ بِكَرَمِهِمُ المَطايا. ولَقَدْ قَصَدَهُمْ كَثِيرٌ مِنَ الناسِ وحَصَلَ لَهُمْ البِرُّ والإيناسُ (¬١)، ثُمَّ يَتَنَوَّعُ لَهُمْ مِنَ الكَرامَةِ ما أَسْنَاهم أنْ يَنْفُذُوا بسُلْطانٍ، وأَسْلاهُمْ عَنِ الأوْطَانِ، فَحَمَدُوا بالنجاحِ آمَالًا، ووَرَدُوا أَخْفافًا وصَدَرُوا ثِقالًا.
وكانَ مِنْ عادَتِهما، (رَحِمَهُما الله)، أنْ لا يَسْمَحا بعَوْدِ غَرِيبٍ، ولا يَصْفَحا عَنْ هذا عنْ بَعيدٍ ولا قَرِيبٍ قَصْدًا لِعِمارَةِ اليَمَنِ بإِنارَةِ آفاقِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ حَسَنٍ، إِلَّا مَنْ قَدِمَ لديهما القولُ بأنَّهُ أتاهُما راحلًا لا مُقِيمًا وزائِرًا لا مُسْتَدِيمًا، فإنهما كانا لا يُكَلِّفانِهِ مُقامًا لديهما ولا دوامًا في النزولِ عليهما، بل يَجْزِلانِ رِفادتَهُ ويَحْمَلانِ إعادَتَهُ (¬٢).
وأما مَنْ جاءَ إِليهما بِنِيَّةِ مُقيمٍ وأقامَ لديهما على أنَّهُ لا يَرِيمُ، فإنّهما يرفعانِ مَجْدَهُ ويُوَسِّعانِ رِفْدَهُ ويُجْرِيانِ عَليهِ الأَدْوَارَ وإِليهِ السَّحابَ المَدادَ، ويُخْلِيانِ لَهُ دارًا ويُخْليانِ مملوؤا لهُ بِصُفُوفِ الخَدَمِ حِدَادًا (¬٣)، فإذا أرادَ الارتحالَ عَنْ دارِهِما مُكِنَاهُ مِنَ العَوْدِ كما جاهِما وخرجَ عنهما على أسوإ حالٍ، مَسْلُوبًا بما استفادَ عَنْدهما مِنْ نِعْمَةٍ ومالٍ، عقابًا لَهُ على مُفارَقَتِهِ لأَبوابِهما، لا يُخَلِّلا بما جادتْ بِهِ بوادرُ سحابهما.
وحكى لي غير واحد ممن قصدهما على أنه يقيم ثم فارقهما على هذا الحال