مُستَمِعًا، ويودُّ كل عضوٍ لو تحول لأجله مُسمعًا، تُمَلَّى نغماته على الأوتار، وتتحلى أوقاته بالمسار، يطْرفُ السمع بطرائف الأناشيد، ويطربُ الجمع بلطائف الأغاريد. يسكر سامعه وما شرب بنتَ حان، ويهتزُّ وما حَرَّكه سوى ألحان، تأخذ منه السعود بنصيب، ويعيد على العود شبابه وهو غَضٌّ رَطِيبٌ، من كل مطرب ومطربة فاقا، وفاتا في صناعتهما حذاقا؛ كما قال الحريري في جارية قارئة، قال: إن قرأت شَفَت المفؤود، وأحيت الموءود، وخلتها أوتيت من مزامير آل داود، وإن غنَّت ظلَّ مُعَبَّدٌ لها عبدًا، وقيل: سحقا لإسحاق وبعدا، وإن زمَرَت أضحى زنام عندها زنيمًا، بعد أن كان لحيله زعيما، وبالأطراب زعيما، وإن رقصت أمالت العمائم عن الرؤوس، وأنسَتكَ رقصَ الحَبِّ في الكؤوس.
[وهذا أديب الأندلس - بل الغرب - أبو الحسن علي بن بسام (¬١)، قد قال في خطبة كتاب الذخيرة (¬٢)، وقد ذكر ما لأهل الأندلس من فضل أدب، فقال (¬٣): لعبوا بأطراف الكلام المُشَقِّق لعبَ الدجى بجفونِ المُؤَرِّق، وحدوا بفنون السحر المُنَمَّق، حُدَاء الأَعْشَى ببناتِ المحلَّق، فصَبَّوا على قوالب النجم غرائبَ المنثور والمنظوم، وباهوا غرَرَ الضُّحى والأصائل، بعجائب الأشعار والرسائل، نَثْرُ لو رآه البديع لنسِيَ اسمه، أو اجتلاه ابن هلال لولا حكمه، ونَظْمٌ لو سمعه كُثَيْرٌ ما نَسِبَ، ولا مدح، أو تتبعه جُرْوَلٌ ما عوى ولا نَبَحَ، إِلَّا أنَّ أهل هذا الأُفُقِ أبَوا إِلَّا متابعةَ أهلِ المشرق، يرجعونَ إلى أخبارهم المعتادة رُجُوعَ الحديث إلى قتادة حتى لو نطقَ بذلك الآفاقُ غِرابٌ، أو طَنَّ بأقصى الشام والعراق ذُبابٌ، لجثَوا على هذا صَنَمًا، وتلَوا ذلكَ كتابًا محكمًا.
ثم قال (¬٤): فغاظني منهم ذلك، وأنفتُ مما هنالك، وأخذتُ نفسي بجمعِ ما وجدتُ من حسناتِ دهري، وتتبعِ محاسن أهلِ بلدي وعَصري، غيرةً لهذا الأُفُقِ الغريبِ أن تعودَ بدورُه آهلةً، وتصبحَ بُحُورُه ثَمادًا مُضمحلَّةً. ثم قال: وليت شعري من قصر