السوداء، بل ركب جنح غمامها المربد، وقبل ثغر برقها المبيض عارضه المسود، وقذف في فائض بحره سفنه، ومدَّ مع عارض فجره رسنه، وألقى حبل جوزائه على غاربه، وحدا ظعن ظلمائه إلى مغاربه، وأقبل يشقُّ الأرض شقًا، ويمشق حروف المطي في سطر المهمه الممتد مشقًا، لا يدع سهلًا حتى يطوي ذيل نمرقه، ولا جبلًا حتى يغصه فوق مفرقه، ولا بحرًا إلا قَطَعَهُ، ولا إلا إلا قَطَّعَهُ، إلى أن لقي بغيته وأحرزها ومطلبه، وحصل جواهره وكنزها، لكنها علوم نافعة، وغيوم ناقعة، وحديث نبوي جمع أطرافه، وضمّ طرافه، حتى صنف التفسير الذي صدقت فيه الأحلام، وسبقت لتلقيه الأقلام أنقذ به من الضلالات، وأخرج إلى نور المعرفة من ظلم الجهالات، وأقام به الحق بأوضح الدلالات، بفرط اجتهاد شق به الصديعين، وشدّ رحلة الشتاء والصيف والربيعين. ولم ير هلال شهر، ثم عرف متى انمحق، ولا كيف اتصل بالعدم والتحق؛ لشواغله بالطلب الذي لا ينتهي، والأرب الذي بغيره لا يلتهي، والفضل المكتسب الذي لو قال له: ما مُنَاك من الدنيا؟ لقال: أنت هي، وكان لا يُخاط جفنه بغرار، ولا يُحاط قلبه بقرار، ولا يزال يهمه رجل يلقاه، وعِلْم لا يضُرّه أنه يحصله ويموت إذا أبقاه.
قال أبو بكر الخطيب: كان ابن جرير أحد الأئمة يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه؛ لمعرفته وفضله، جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظًا