وكلف بنبي الله حبًّا، وهام بسكان العقيق حتى أجراه دمعًا، بنزال الأبيرق حتى كاد يفنيه جزعًا، وولع بأهيل الحي حتى ظلَّ دمعه بالحمى صَبّا، وبات كراه لا يلاءم مضجعه من الجفون جنبًا، وتشوق ديارًا كان يود لو طاف بربوعها، وطاح مرطه في مسارح ربيعها، وأسف لزمانٍ أخره عن زمان تلك الأقمار الطلّع والسمار، ومقل الكواكب مغضية لا تجسر أن تتطلع وغشيان نادي النبوة، والقرآن ينزل عليه، وجبريل يؤدي ما أوتمن على إبلاغه إليه، وسيد الكونين محمد خاتم الأنبياء، وإمام الأتقياء ﷺ حتى يأتلق قمره في ذلك النادي، ويتدفق مطره في ذلك الوادي، وطيبة به تأرج جنبات أرجائها نشرًا، وتخلّق أردان فنائها بشرًا، وتلك المعالم مأهولة بأهلتها، وتلك المعاهد معهودة لا تستسقي السحب لغُلّتها؛ فلما فاته سالف تلك الأيام أن يكون من بينها وبعدت عليه شقة تلك المنازل أن يكون فيها، جعل فيها غرر تأليفه، ودرر تصنفه.
وصنف كتاب «الشفا في شرف المصطفى»، وأوقد مصباحه مذ كان فما انطفا، ينطق بغرام برسول الله ﷺ أسكنه شغاف قلبه، وأنزله شفاف حبّه، وذكر في تعظيمه أوصاف ربه، وأخلص فيه النية فما جاء بعده كتاب ألف في بابه، ثم كان له مدانيًا، ولا منه دانيًا، بل عليه المعتمدون دون بقية تلك الكتب على كثرتها، والمخصوص بالأثرة عليها على آثرتها، وجُرّب أنه لم يكن عند رجل فنكب، ولا في رَحْلٍ فأخذ، ولا في بيت فخرب. ولقلد كان مصنفه ﵀ أنفع لمدينته سبتة من بحرها، وأجمع لقطريها مما تخنقه جوانبها الثلاث من برها.
وقد ذكره الفتح فقال: جاء على قدر، وسبق إلى نيل المعالي وابتدر، فاستيقظ