الهوى، ومشرع الموارد الفتوى لم تزل ربوعه بالعز مأنوسة، وثغور الإسلام به محروسة، وصحف محامده بألسنة الأنام مدروسة، وأسود أعدائه بأنياب النوائب مفروسة، ما له في الحقوق منتهب وآماله لا يطيش بها الذهب، وتلقيه لأهل العلم يقبل عليهم سافرًا، ويقلب من أتاه منهم ظافرًا، فما صدر عنه إلا من نقل سمعته، ولا ورد إليه إلا من أخصب نجعته، وما برح على هذا حتى قبض ودفن، وفني الزمان وأفن، وما فني ذكره ولا أفن.
كان أعلم أصحاب مالك بمختلف قوله، وأفضت إليه رياسة الطائفة المالكية بعد أشهب، وكان من ذوي الأموال والرباع، له جاه عظيم، وقدر كبير، وكان يزكي الشهود ويجرحهم، ولهذا لم يشهد ولا أحدٌ من ولده لدعوة سبقت فيه، ويقال: إنه دفع إلى الإمام الشافعي عند قدومه إلى مصر ألف دينار، وأخذ له من ابن عسامة التاجر ألف دينار، ومن رجلين آخرين ألف دينار.
وروي بشر بن مالك قال: رأيت مالك بن أنس في النوم بعدما مات بأيام، فقال: إن ببلدكم رجلًا يقال له ابن عبد الحكم، فخذوا عنه؛ فإنه ثقة.
وتوفي في رمضان سنة أربع عشرة ومائتين بمصر، وقبره إلى جانب قبر الشافعي، وهو الأوسط من القبور الثلاثة، ومولده سنة خمسين ومائة، وقيل: سنة خمس وخمسين ومائة.
ومنهم: