سرب اللغات بأعرافها، ولم ينس ما حفظ، ولا غاب عنه ما لحظ، فكان لا يذهب محفوظ من ذاكرته، ولا يرهب عند محاظرته، وقد جربه أهل النقد، فلم يرو له زيفًا، وجهدوا ولم يرعوا له طيفًا، فخجل منكروه، ووجل قوم ظنوا أن يسكتوه، وعلم أنه الحافظ الذي قل أن ينسى والمحافظ الذي به يتأسى، فلم يبق إلا من علم أنه المبرز، وأن عَلَمَ ردائه لا يرقم مثله إلا المطرز.
قال الخطيب (¬١): سمع غير واحد يحكي عن أبي عمر أن الأشراف والكتاب كانوا يحضرون عنده ليسمعوا منه كتب ثعلب وغيرها، وكان له جزء قد جمع فيه «فضائل معاوية» فكان لا يترك واحدًا منهم يقرأ عليه شيئًا حتى يبتدئ بقراءة ذلك، وكان جماعة لا يوثقون أبا عمر في علم اللغة حتى قال لي عبيد الله بن أبي الفتح: يقال إن أبا عمر كان لو طار طائر، لقال: حدثنا ثعلب عن ابن الأعرابي، ويذكر في معنى ذلك شيئًا. فأما الحديث، فرأيت جميع شيوخنا يوثقونه فيه.
وحدثنا ابن أبي علي عن أبيه قال: ومن الرواة الذين لم نر أحفظ منهم أبو عمر غلام، ثعلب، أملى من حفظه ثلاثين ألف ورقة لغةً فيما بلغني، وجميع كتبه إنما أملاها بغير تصنيف، ولسعة حفظه اتهم. وكان يسأل عن الشيء الذي يقدر السائل أنه وضعه، فيجيب عنه، ثم يسأله غيره عنه بعد سنة فيجيب بجوابه. أخبرت أنه سئل عن قنطرة صحفت، فقيل له: ما القنطرة؟ فقال: هي كذا. قال: فتضاحكنا، ولما كان بعد شهور هيأنا من سأله عنها، فقال: أليس قد سئلت عن هذه من شهور وأجبت.
قال الخطيب (¬٢): حكى لي رئيس الرؤساء أبو القاسم علي بن الحسن عمن حدثه أن أبا عمر الزاهد كان يؤدب ولد القاضي أبي عمر محمد بن يوسف، فأملى يومًا على الغلام ثلاثين مسألة لغة وختمها ببيتين، وحضر ابن دريد، وابن الأنباري، وأبو بكر بن